فرنسا على موعد مع حركة “لنوقف كل شيء”

تشهد فرنسا يوم الأربعاء 10 سبتمبر 2025 واحدة من أوسع الحركات الاحتجاجية التي عرفتها البلاد منذ سنوات، وذلك تحت شعار “Bloquons tout” أوحركة “لنوقف كل شيء”. هذه الدعوة التي انطلقت من شبكات التواصل الاجتماعي، تحولت في ظرف وجيز إلى حركة جماهيرية تهدد بشل قطاعات حيوية في مختلف المدن الفرنسية، وسط توقعات بمشاركة عشرات الآلاف، خاصة من الشباب والطلاب.

و جاءت حركة “لنوقف كل شيء” كرد فعل على مشروع ميزانية 2026 الذي اقترحته حكومة رئيس الوزراء فرانسوا بايرو، ويتضمن إجراءات تقشفية مثيرة للجدل أبرزها إلغاء يومي عطلة وطنية وتقليص الإنفاق العام بما يقارب (43.8 مليار يورو). هذه الخطط، التي وُصفت بأنها محاولة “لإعادة التوازن المالي”، فجرت موجة غضب واسعة في الأوساط الشعبية والنقابية، لتتحول الدعوة الافتراضية إلى إضراب عام غير مسبوق.

وتشير تقارير إعلامية فرنسية إلى أن الأجهزة الأمنية الفرنسية تتوقع نزول نحو 100 ألف متظاهر إلى الشوارع، مع تركّز الحشود الكبرى في مدن مثل نانت، رين، وليون. ورغم أن الحركة ليست منظمة بشكل تقليدي ولا تقف خلفها نقابة مركزية، إلا أنها وجدت صدى واسعًا لدى أحزاب اليسار والنقابات العمالية التي أعلنت دعمها الصريح، معتبرة أنها فرصة لإعادة التوازن الاجتماعي في مواجهة السياسات الليبرالية.

من الناحية العملية، يتوقع أن تشهد شبكات النقل اضطرابات ضخمة، حيث حذرت شركتا SNCF وRATP من توقف واسع في خدمات القطارات والمترو، فيما يرجح أن تتأثر الرحلات الجوية في مطارات باريس وليون ومرسيليا. كما أُعلن عن إضرابات في المدارس والمؤسسات التربوية بالعاصمة وضواحيها، ما ينذر بتعطيل آلاف العائلات. وتشمل الحركة أيضًا قطاعات التجارة الكبرى، إذ يتوقع أن تغلق محلات مثل “كارفور” و”برمارك” أبوابها، فيما قد تشهد محطات الوقود والمرافق الطرقية عمليات إغلاق جزئي أو كلي.

إزاء هذا الوضع، عبّأت الحكومة الفرنسية ما يقارب 80 ألف عنصر من قوات الأمن لمواجهة أي أعمال عنف أو فوضى، خاصة مع الدعوات المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي لتوسيع نطاق الاحتجاج إلى مراكز النقل الحيوية. ورغم هذا الاستنفار، تبدي السلطات قلقًا من صعوبة التحكم في حركة غير منظمة تقودها أساسًا مجموعات شبابية غير تقليدية.

سياسيًا، تأتي هذه احتجاجات “Bloquons tout” لتضيف مزيدًا من الضغط على حكومة بايرو التي سقطت لتوها بعد تصويت الثقة في الجمعية الوطنية، ما ينذر بمرحلة اضطراب سياسي مفتوح. وفي حال نجحت الحركة في شل البلاد بالفعل، فقد تتحول إلى نقطة تحول شبيهة باحتجاجات “السترات الصفراء”، مع فارق أن هذه المرة يقودها جيل رقمي يستخدم المنصات لإدارة التعبئة لحظة بلحظة.

في النهاية، تمثل حركة “لنوقف كل شيء” اختبارًا مزدوجًا: من جهة لقدرة الشارع الفرنسي على فرض خياراته الاجتماعية، ومن جهة أخرى لقدرة الحكومة على احتواء أزمة قد تتطور إلى صراع مفتوح بين السلطة والجيل الجديد من المحتجين.

و كانت فرنسا أواخر عام 2018 قد شهدت ظهور حركة “السترات الصفراء” كأحد أبرز أشكال التعبئة الشعبية ضد سياسات الحكومة الضريبية والاقتصادية. بدأت الاحتجاجات بسبب قرار زيادة أسعار الوقود، لكنها سرعان ما تحولت إلى انتفاضة اجتماعية واسعة ضد تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. تميزت الحركة بأنها غير مركزية، يقودها مواطنون عاديون عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعيدًا عن النقابات والأحزاب التقليدية، وهو ما جعلها صعبة الاحتواء بالنسبة للسلطات. وشهدت فرنسا على مدار أسابيع مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، خاصة في باريس، حيث تحولت الشوارع إلى ساحات صراع بين المطالبين بالعدالة الاجتماعية والدولة التي وجدت نفسها أمام أزمة ثقة عميقة.

المصدر:  وسائل اعام فرنسية

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً