إنّه من الجيل الجديد من الكتّاب والمفكرين الجزائريين، جمع بين عمق التأمل الفلسفي وجمال السرد الأدبي، إختار مسارًا يليق بمثقف يرى في الكتابة التزامًا فكريًا قبل أن تكون مجرّد هواية. في عالمٍ سريع الإيقاع، يذكّرنا بأن الكلمة لا تزال قادرة على الخلود، متى كُتبت عن قناعةٍ ووعيٍ ومسؤولية. إنّه الكاتب والمفكر عماد الدين زناف.
يطلّ عماد الدين زناف كأحد الأصوات الفلسفية الجزائرية القليلة التي اختارت الكتابة بوصفها فعل تفكيرٍ، في مؤلفاته تتجاور الفلسفة مع الأدب، ويتحوّل السرد إلى مختبرٍ للأفكار، حيث تلتقي الذات بالمعنى والتاريخ بالهوية.
إستطاع الكاتب زناف على تحويل الأسئلة الفكرية الكبرى إلى لغةٍ قريبةٍ من القارئ الجزائري والعربي، دون أن تفقد عمقها أو بعدها التأملي. لذلك ليس غريبًا أن يجد نفسه بين جيلٍ يبحث عن الفكر في الأدب، وعن الأدب في الفكر، فيسلك طريقًا خاصًا لا يخضع للموضات الأدبية ولا لمقاييس النشر السريع.
من هو عماد الدين زناف ؟
ولد عماد الدين زناف في 15 أفريل 1992 ببلدية حسين داي بالعاصمة الجزائر، ويمتلك رصيدًا متنوعًا من الأعمال بين الفلسفة والرواية والنقد. من أبرز مؤلفاته: بشر لا تنين (2020)، مسرحية يعقوب (2021)، الشفق في أعين البوم (2021)، مينيسوتا (2022)، المريد والمراد (2023)، فلسفتنا (2024)، وعبق البيان (2024)، إلى جانب أكثر من 500 مقالة و500 فيديو.
في هذا الحوار مع موقع الصحفي، يتحدث زناف عن بداياته، رؤيته للفكر والأدب، وتجربته في مواجهة تحديات الكتابة وصناعة المحتوى في العصر الرقمي.
الصحفي : ما الذي دفعك لاختيار الكتابة كمسارٍ رئيسي، وهل كانت هناك لحظة معيّنة شعرتَ فيها بأنك ستصبح كاتبًا؟
عماد الدين زناف: الذي دفعني إلى الكتابة، في البداية، كان ذلك الشعور المُلحّ بالإفراغ والتعبير بأيّ طريقة كانت، حتى قبل تعلّم أساسيّات الرواية بشكل كامل، وقبل العودة إلى الكتابة بالعربية شيئًا فشيئًا، إذ كانت معظم قراءاتي بلغةٍ أجنبية.
الكتابة لم تكن أولَ طرق التعبير، فقد حاولتُ التعبيرَ بالرسم والرياضة، لكن الكتابة كانت الاكتشافَ الذي لم أكن قد جرّبتُه قبل سنة 2019. بعد قراءتي لفريدريك نيتشه، ذلك الفيلسوف الألماني، شعرتُ أنه قد حان الأوان للكتابة، بأيّ طريقة كانت، فالكتابة آنذاك كانت علاجًا لا استعراضًا أدبيًّا.
لذلك كانت روايتي الأولى بشر لا تنّين عبارةً عن فوضى روائية، أيًّا كان حالُها، فقد كانت بدايتي في هذا المجال، وأنا سعيد بها.
الصحفي : كثير من أعمالك تمزج بين الأدب والفكر الفلسفي. كيف ترى العلاقة بين الرواية والفلسفة؟ وهل تعتقد أن الأدب يمكن أن يكون وسيلةً لنقل الأفكار الفلسفية بطريقةٍ أكثر تأثيرًا؟
عماد الدين زناف: العلاقة بين الرواية والفلسفة مثل العلاقة بين الكاتب والتفكّر؛ فالرواية دون فلسفة ككاتبٍ دون فكر. تخيّل أن تقرأ أو تُصغي إلى كاتبٍ يتكلم بلا عمق، بلا معنى ولا هدف!
الكاتب مشروعُ مفكّر، ودون هذا لا يمكن الحديث عن كاتبٍ أو روائيٍّ جيّد.
لذا لا أستطيع فهم أيّ روائيٍّ ينبذ الفلسفة، كأنه يُصرّح بأن نصوصه تخلو من أيّ بُعدٍ إنسانيٍّ راقٍ. لذلك نعم، الأدب قناةٌ لنقلِ الأفكار الفلسفية بسلاسةٍ ومخيالٍ جميلٍ إلى جميع أصناف القرّاء.
الصحفي : في كتاباتك كثيرًا ما تتناول التاريخ والثقافة الجزائرية. ما أهمّ التحدّيات التي تواجه الكتّاب الجزائريين عند معالجة قضايا الهوية والتراث؟
عماد الدين زناف: مسألة التاريخ والثقافة المحلية هي واجبُ كلّ مثقّفٍ في كلّ بلد، لذلك أشعر أنني أقوم بواجبي في هذه المواضيع، لأنّ التاريخ والثقافة جزءٌ من الأمن العامّ للجزائر. فمن واجبنا حماية هذا البلد حسّيًا كما معنويًا وفكريًا.
أما التحدّيات، فتكمن في صعوبة بلوغ بعض المراجع غير المجانية، أو تلك المجانية المكتوبة بلغاتٍ صعبةٍ كاليونانية أو اللاتينية، أو في غموض بعض النصوص، وكذلك في ترجمتها ترجمةً صحيحةً ووفيةً للسياق والوضع التاريخي.
لهذا يجب أن يكون العملُ جماعيًا، بتوزيع المجهود على فريقٍ متخصّص، كلّ فردٍ فيه في مجالٍ معيّن، لضمان جودة النتائج. في وضعي الحالي، كلّ ما أقوم به هو اجتهادات، وإن كانت محمودة، لكنها لا تزال بحاجةٍ إلى دعمٍ واسعٍ من خلال الاهتمام، وتوفير المراجع، والعمل التطوّعي لإحياء التاريخ القديم.
الصحفي : لقد رسمتَ حضورًا مؤثّرًا على وسائل التواصل الاجتماعي. كيف وجدتَ الانتقال من عالم الكاتب التقليدي إلى عالم صناعة المحتوى الرقمي؟ وهل يختلف تأثير الكتابة في هذه المنصّات عن الكتابة المطبوعة؟
عماد الدين زناف: في الحقيقة، ومنذ خمس سنوات، غلب عليّ الجانبُ الكتابيّ التقليديّ على صناعة المحتوى المرئي، إذ لم أستطع التوفيق بينهما، لأنّ مؤلفاتي تتطلّب وقتًا وجهدًا كبيرين، إضافةً إلى الوظيفة، فلا يتبقّى لي وقتٌ كافٍ لنشر فيديو تفصيليٍّ عن موضوعٍ ما.
حالتي هذه تشبه حال كثيرين: إذا كان صانع المحتوى مؤلفًا في الوقت نفسه، فسوف تغلب عليه جهةٌ دون الأخرى، فيؤثر ذلك على حضوره أو مستوى عمله في الجانب الآخر.
لقد صرتُ لا أنشر عملًا مرئيًا إلا نادرًا، وهذا في الحقيقة يُزعج متابعِيَّ، لكنهم يعلمون أنني أغيب لأُحضّر عملًا أدبيًا يعيش بعد مماتي، إن شاء الله.
الصحفي : هل تتأثر أعمالك الأدبية بتفاعل القرّاء المباشر، أم تحافظ على المسافة بين الكاتب والجمهور؟
عماد الدين زناف: أنا شديد القرب من قرّائي، وكلّ قارئٍ يتواصل معي يصبح، نوعًا ما، صديقًا لي. فعند الكتابة، أستحضر هؤلاء وأعلم أنهم سيسألونني عن هذا وذاك، لذلك أكتب جيّدًا، لا للاستعراض، بل لأنني أعلم أنني سأُسأل عمّا أكتب. لا أستطيع كتابةَ شيءٍ لا أستطيع الدفاعَ عنه لغويًا وفكريًا.
الصحفي : إذا طُلب منك أن تكتب رسالة قصيرة لشابٍّ جزائريٍّ اليوم لا تزيد عن جملةٍ واحدة، فماذا تقول له؟
عماد الدين زناف: رسالتي لكل شاب جزائريٍّ اليوم هي :
تعلّم الأولويات كي لا تُضَيِّع وقتك وسنوات شبابك في البحث عن البداية الصحيحة. تعلّم المبادئ في كلّ شيء، وابدأ من المبتدأ. تعلّم لسانك، قواعد العربية والأمازيغية، وتعلّم الصرف والنحو والمنطق، فهي أدواتٌ تساعدك على فهم كلّ شيءٍ في الحياة، في الدين والدنيا. تعلّم لغةً ثانيةً بإتقان، واجعل الفضول العلميَّ شعارك، وكن علميًّا، لا قاسيًا ولا عاطفيًا، بل عادلًا في كلّ شيء. وبعد أن تتعلّم مبادئ العلوم، اعرفْ من أنت وما تاريخك، ثم انطلقْ لمعرفة العالم.
الصحفي : ما المشاريع الأدبية أو الفكرية التي تعمل عليها حاليًا؟ وكيف ترى مستقبل الأدب الجزائري في السنوات القادمة؟
عماد الدين زناف: عملي القادم سيكون روايةً تاريخيةً عن تاريخنا الجزائري الوسيط، وهي الأولى من نوعها؛ مرحلةٌ مهمّةٌ وحسّاسةٌ لم يقتحمها كاتبٌ من قبل بالرواية، لذلك أتمنى أن أكون عند حسن الظنّ.
أما مستقبل الأدب الجزائري، فلا أعلم إن كان سيكون جيّدًا أم لا، لكنّ الأكيد أن هناك أقلامًا رائعةً وذاتَ أهدافٍ راقية، وهذه الأقلام لن تجفّ.
لذلك أدعو الجمهور الأدبي إلى دعم كلّ قلمٍ جميلٍ وفكرٍ راقٍ، لأنّ هذا الدعمَ هو الذي يصنع التأثير ويُلهم كُتّابًا ناشئين آخرين، إن شاء الله.

