يعد دعم أسعار المحروقات أداة معتادة تستخدمها الحكومات لضمان الاستقرار الاجتماعي، إلا أن هذا الدعم، على المدى الطويل، يترك آثارًا سلبية كبيرة على اقتصاد أي بلد. في الجزائر، على سبيل المثال، تستمر الدولة في دعم البنزين بشكل واسع، مما يثقل كاهل المالية العامة ويحد من قدرة الدولة على تمويل القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
إضافة إلى ذلك، يخلق الدعم المستمر تشوهات في السوق الوطنية، حيث يؤدي إلى رفع تكاليف الإنتاج وصعوبة المنافسة مع الأسواق الأخرى غير المدعومة. وهذا يجعل من عملية التصدير خسارة للاقتصاد المحلي، إذ تدفع الدولة فرق التكلفة بدلًا من تعزيز قدرة الشركات الجزائرية على المنافسة في الأسواق العالمية. كما يترتب على ذلك كسر التنافسية في مختلف القطاعات الاقتصادية، ما يحد من نمو الاستثمار المحلي ويقلل من فاعلية الاقتصاد في خلق فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة. باختصار، الدعم المفرط للوقود، رغم هدفه الاجتماعي، قد يصبح عبئًا طويل المدى على الاقتصاد ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها بشكل فعّال.
5 اسباب لحتمية رفع الدعنم عن الوقود ؟
-
تحسين المالية العامة للدولة:
رفع أسعار الوقود يقلل العبء على ميزانية الدولة، حيث يمكن إعادة توجيه الموارد نحو قطاعات أساسية مثل الصحة، التعليم، والبنية التحتية. في الجزائر، الدعم الكبير للوقود يكلف الدولة ملايين الدينار سنويًا، وبالتالي أي تحرير تدريجي يساهم في تقليص العجز المالي. -
تشجيع الاقتصاد الحقيقي والاستثمارات:
تحرير الأسعار يفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في الطاقة والنقل البديل، كما يحفز الشركات على تحسين كفاءة استهلاك الطاقة وتطوير تقنيات مستدامة. -
الحد من التبذير والاستهلاك المفرط:
الأسعار المنخفضة المدعومة تشجع على استهلاك الوقود بشكل غير فعال، وبالتالي تحرير الأسعار يؤدي إلى ترشيد الاستهلاك، والحد من الهدر، وهو ما ينعكس إيجابًا على البيئة وعلى الأمن الطاقوي للبلاد. -
تحفيز التنقل المستدام ووسائل النقل البديلة:
عندما تعكس الأسعار تكلفة الوقود الحقيقية، يصبح الاستثمار في وسائل النقل العام والكهربائي أكثر جدوى، وتبدأ الأسر في تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة الكبيرة الاستهلاك. - زيادة الشفافية وتقليل الفساد:
الأسعار المدعومة غالبًا ما تخلق فرصًا للتهريب والبيع غير القانوني، بينما التحرير يقلل من هذه الظواهر ويجعل السوق أكثر شفافية وعدالة.
سلبيات تحرير أسعار البنزين وأهمية التدرج
رغم الفوائد الاقتصادية لتحرير أسعار البنزين، إلا أن هذه الخطوة لا تخلو من تحديات محتملة. من أبرز السلبيات، الضغط المباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة الفئات المتوسطة والضعيفة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والخدمات المرتبطة بالطاقة. كما يمكن أن يفاقم التحرير السريع من معدلات التضخم على المدى القصير، ويؤثر على مستوى المعيشة إذا لم تُرافقه برامج حماية اجتماعية فعالة.
لذلك، تحرير أسعار البنزين لا يعني بالضرورة رفعها دفعة واحدة. على العكس، يجب أن يتم بشكل تدريجي وعلى مراحل مدروسة، لتقليل الصدمة الاقتصادية والاجتماعية. يمكن البدء بتحرير جزء محدود من الأسعار، مع تعزيز برامج الدعم الموجهة للفئات الأكثر هشاشة، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وتشجيع وسائل النقل البديلة، وهو ما يخفف التأثير المباشر على الأسر.
خطوة أخرى مهمة تتعلق بخلق الشفافية في تسعير الوقود، بحيث يعرف المواطن مسبقًا أن أي زيادة ستصاحبها إجراءات حماية اجتماعية، ما يزيد من تقبله للتغييرات ويحد من التأثير السلبي على التضخم. كما يفتح التحرير الجزئي المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في الطاقة، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وتقليل الاعتماد الكلي على الميزانية العمومية.
تجربة الجزائر توضح أن النجاح في تحرير أسعار البنزين يحتاج إلى تخطيط طويل المدى ودراسة دقيقة للسوق والقدرة الشرائية للمواطنين. التحرك التدريجي يسمح بتحقيق توازن بين التزامات الدولة المالية واحتياجات المواطنين، مع تمهيد الطريق نحو اقتصاد أكثر مرونة واستدامة، يقل فيه الهدر، ويزداد فيه الاستثمار، وتصبح الأسعار أكثر انعكاسًا للتكلفة الحقيقية للطاقة.

















