أحدث اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي نفذته القوات الأمريكية اليوم السبت ، صدمة على الساحة الدولية وأثار موجة من ردود الفعل الأولية المتباينة من القوى الكبرى والدول الإقليمية، بما فيها منظمات دولية وهيئات حقوقية. العملية التي وصفها البيت الأبيض بأنها «ناجحة للغاية» وشملت نقل مادورو وزوجته إلى خارج البلاد، أثارت تساؤلات حول شرعية الإجراءات وأثرها على الاستقرار الإقليمي والقانون الدولي.
الحكومة الفنزويلية أدانت الاعتقال بشدة، واعتبرته تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا مباشرًا للسيادة الوطنية. وأكدت كاراكاس أن هذا التطور يزيد من تعقيد الأزمة الداخلية ويهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل وفرض احترام السيادة الفنزويلية. وزارة الخارجية الفنزويلية وصفت العملية بأنها «عدوان أمريكي» وطالبت بالكشف عن مكان الرئيس وحقوقه، معتبرة أن أي ترحيل قسري له ولزوجته يمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية.
وقال بلانكو، عضو لجنة الشؤون الدولية في حزب “الجبهة العريضة” الأوروغوياني الحاكم، في تصريحات لوكالة “آر آي إيه نوفوستي” الروسية: “هذا انتهاك صارخ للقانون الدولي، فواشنطن تدمر ميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادتين المتعلقتين بسيادة الدول والمساواة القانونية بينها، وحظر استخدام القوة”.
وأضاف أن تصرفات الإدارة الأمريكية تقوض النظام الدولي الذي أرسيت قواعده بعد الحرب العالمية الثانية، كما تنتهك إعلان أمريكا اللاتينية “منطقة سلام” الذي أقرته جماعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي (سيلاك).
في المقابل، الولايات المتحدة اعتبرت أن اعتقال مادورو خطوة قانونية ضمن جهودها ضد الفساد والتهريب داخل فنزويلا. ومع ذلك، شهدت واشنطن جدلًا داخليًا واسعًا؛ حيث وصف بعض أعضاء الكونغرس العملية بأنها «غير دستورية»، فيما رأى آخرون أنها ضرورية لحماية مصالح الولايات المتحدة. هذا الانقسام يعكس مدى تعقيد الموقف الأمريكي في إدارة الأزمات الدولية وتأثيره على السياسة الداخلية والخارجية.
فيما قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده لم تشارك بأي شكل في الضربة العسكرية التي وجهتها الولايات المتحدة لفنزويلا.
الاتحاد الأوروبي، على الرغم من موقفه التقليدي الداعم للمعارضة الفنزويلية، اتسم بالحذر في التعليق على الأحداث، مجددًا الدعوة إلى احترام القانون الدولي والحد من التصعيد العسكري. المسؤولة الأوروبية للسياسة الخارجية، كايا كالاس، شددت على ضرورة ضبط النفس ومراعاة الشرعية، في مؤشر إلى حرص التكتل على لعب دور دبلوماسي متوازن بعيدًا عن الانخراط المباشر في النزاع العسكري.
دول مثل روسيا وإيران أدانت العملية بشكل صريح. موسكو وصفت الاعتقال بأنه انتهاك صارخ للسيادة الفنزويلية ودعت إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، بينما اعتبرت طهران الهجوم الأمريكي على فنزويلا جزءًا من سياسات الهيمنة والهيمنة الإمبريالية لواشنطن. هذه المواقف تؤكد على أن الأزمة الفنزويلية لم تعد قضية محلية بل أصبحت مسرحًا لتنافس جيوسياسي بين القوى الكبرى، يعكس التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها، من جهة، وروسيا وإيران وحلفائهم، من جهة أخرى.
ردود فعل جماعات غير حكومية أيضًا أظهرت تباينًا أيديولوجيًا؛ فقد وصفت بعض الحركات العملية بأنها إثبات على سياسات الهيمنة الأمريكية، مؤكدة أن واشنطن تمثل تهديدًا للسلام الدولي. أما الأمم المتحدة، فلم تصدر موقفًا رسميًا بعد، لكن الخبراء الحقوقيون أشاروا إلى المخاطر القانونية والإنسانية التي قد تنتج عن هذه العملية، مؤكدين على ضرورة احترام القانون الدولي وحماية المدنيين في أي تصعيد عسكري.
و عبّرت حركة «أنصار الله» عن موقفها الرافض للولايات المتحدة، واعتبرت أن ما يحدث يثبت «أن واشنطن رأس الشر والإرهاب»، ما يعكس تباينًا في المواقف غير الحكومية أيضًا، وامتداد الأزمة إلى خلفيات أيديولوجية أوسع.
كما أعربت حركة المقاومة اللبنانية حزب الله ، في بيان، عن إدانتها “العدوان الإرهابي والبلطجة الأميركية ضدّ جمهورية فنزويلا، والذي استهدف العاصمة كاراكاس ومنشآت حيوية ومدنية ومجمّعات سكنية، وخطف الرئيس مادورو وزوجته، في انتهاك فاضح وغير مسبوق للسيادة الوطنية لدولة مستقلة وللقانون الدولي ولمواثيق الأمم المتحدة بحجج واهية وكاذبة”.
كذلك، أدانت حركة المقاومة الفلسطينية “حماس”، بأشدّ العبارات، العدوان الأميركي على جمهورية فنزويلا، واختطاف الرئيس مادورو وزوجته، مؤكّدةً أنه يمثّل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، بالاعتداء على سيادة دولة مستقلة.
من جانبه، قال حزب الكرامة المصري، في بيان، إنّ “العدوان على فنزويلا استمرار للغطرسة الأميركية بحقّ الدول المستقلة بغرض نهب ثرواتها”، لافتاً إلى أنّ “حجج واشنطن لتبرير عدوانها على فنزويلا لا تخفي مطامعها في الثروات المعدنية والنفطية”.
تداعيات هذا الاعتقال تتجاوز فنزويلا، إذ تشير إلى انقسامات عالمية عميقة بين القوى الكبرى، وخطر تصعيد الأزمات الإقليمية، وتأثير محتمل على تحالفات أميركا اللاتينية. العملية تفتح نقاشات واسعة حول شرعية التدخل العسكري، دور القانون الدولي في حماية السيادة، واستقرار المنطقة التي شهدت توترات متزايدة منذ سنوات.
في المجمل، يمثل اعتقال مادورو نقطة تحول دراماتيكية في السياسة الدولية تجاه فنزويلا، ويؤكد على أن الأزمة الفنزويلية أصبحت قضية استراتيجية تتداخل فيها السياسة المحلية مع مصالح القوى الكبرى، ما يزيد من التعقيدات في إدارة الاستقرار الإقليمي والدولي.
المصدر. الصحفي + الميادين



















