قدّم وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، سيدعلي زروقي، مشروع قانون جديد يتعلق بالقواعد العامة لخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني في الجزائر أو ما يعرف ب “قانون المصادقة الإلكترونية”، في خطوة تشريعية تُعد من بين أهم محطات مسار الرقمنة في الجزائر، لما يحمله النص من أبعاد قانونية، تقنية، وأمنية تمس جوهر المعاملات الرقمية الحديثة.
و يهدف مشروع “قانون المصادقة الإلكترونية”، إلى إرساء منظومة وطنية متكاملة لخدمات الثقة الإلكترونية، تقوم على الاعتراف القانوني بالمعاملات والعقود المبرمة عبر الوسائط الرقمية، وتمنحها نفس الحجية القانونية التي تتمتع بها الوثائق الورقية. ويأتي هذا التوجه استجابة لتوسع استخدام الخدمات الرقمية، سواء في الإدارة أو الاقتصاد أو المعاملات بين الأفراد.
و يتناول المشروع تنظيم خدمات الثقة المرتبطة بالمعاملات الإلكترونية، وعلى رأسها التوقيع الإلكتروني، الختم الإلكتروني، الختم الزمني، الإرسال الإلكتروني المضمون، والتعريف الإلكتروني. وتُعد هذه الأدوات الركيزة الأساسية لضمان هوية المتعاملين، وسلامة الوثائق، وعدم إمكانية إنكار العمليات المنجزة رقميا.
و من أبرز ما يتضمنه النص تكريس الاعتراف بصحة العقود الإلكترونية، مع تحديد شروط إبرامها وآليات إثباتها أمام الجهات القضائية. ويُفهم من ذلك أن المشروع يسعى إلى إزالة الغموض القانوني الذي ظل يحيط بهذا النوع من العقود، وفتح المجال أمام تعميمها في مختلف القطاعات.
كما يركّز مشروع القانون على تنظيم التعريف الإلكتروني كوسيلة موثوقة لإثبات هوية الأشخاص الطبيعيين والمعنويين في الفضاء الرقمي. ويُنتظر أن يساهم ذلك في الحد من انتحال الهوية، وتعزيز الثقة في الخدمات الإلكترونية، خاصة في المعاملات الحساسة مثل الخدمات الإدارية، البنكية والتجارية.
و ينص المشروع على وضع قواعد واضحة لاعتماد وتنظيم ومراقبة مقدمي خدمات الثقة، سواء كانوا تابعين للقطاع العمومي أو الخاص. ويشمل ذلك تحديد التزاماتهم التقنية والأمنية، ومسؤولياتهم القانونية، بما يضمن مستوى عالٍ من الموثوقية وحماية المستخدمين.
كما يحمل النص بعدًا أمنيًا واضحًا، من خلال ربط خدمات الثقة بمتطلبات صارمة لحماية الأنظمة المعلوماتية وضمان سلامة البيانات. كما ينسجم المشروع مع الإطار القانوني المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي.
و يتضمن مشروع القانون أحكامًا تتعلق بالعقوبات الإدارية والجزائية في حال الإخلال بالقواعد المنظمة لخدمات الثقة، أو استغلالها لأغراض غير قانونية. وتهدف هذه الأحكام إلى ردع التجاوزات وضمان مصداقية المنظومة الرقمية الجديدة.
و يمثل هذا المشروع لبنة أساسية في مسار رقمنة الدولة الجزائرية، ويترجم توجهًا رسميًا نحو بناء اقتصاد رقمي قائم على الثقة، والأمن القانوني، والشفافية. كما يُنتظر أن يشكل قاعدة قانونية مرجعية لتطوير الخدمات العمومية الإلكترونية، وتشجيع الاستثمار والابتكار في المجال الرقمي.
وفي انتظار المصادقة النهائية على النص ونشره في الجريدة الرسمية، يبقى مشروع قانون خدمات الثقة والتعريف الإلكتروني أحد أبرز المشاريع التشريعية ذات الطابع الاستراتيجي، لما له من تأثير مباشر على مستقبل المعاملات الرقمية في الجزائر، وعلى العلاقة بين المواطن، الإدارة، والاقتصاد في العصر الرقمي.



















