لم تعد الرقمنة في الجزائر مجرد خيار تقني لتحسين الخدمات الإدارية، بل تحولت تدريجيًا إلى رهان سيادي يرتبط بإعادة تشكيل علاقة الدولة بالمواطن، وضبط النفقات العمومية، وتحسين الحوكمة، ومواكبة التحولات الاقتصادية العالمية. غير أن هذا التحول، رغم تقدمه النسبي، ما يزال يراوح بين منطق الإصلاح الهيكلي ومتطلبات الواقع الإداري والاجتماعي.
الألياف البصرية: العمود الفقري للرقمنة الفعّالة في الجزائر
برزت شبكة الألياف البصرية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة من مجرد مشروع بنيوي إلى منظومة أساسية لصناعة التحول الرقمي الوطني. فقد أعلنت الحكومة أن تعميم شبكة الألياف البصرية (FTTH) لتغطي كامل التراب الوطني بحلول سنة 2027 يمثل أحد الأولويات الاستراتيجية للقطاع، لما يوفره من سرعة عالية وتدفق بيانات قوي يمكن أن يدعم الخدمات الرقمية في الإدارة، التعليم، الصحة، الاقتصاد وغيرها.
القفزة النوعية في الربط بالألياف تجلّت بوضوح في الإحصاءات الرسمية، حيث تجاوز عدد الأسر الموصولة بتكنولوجيا الألياف، بعد انطلاقة متواضعة قبل سنوات، أكثر من مليونين من الأسر في فترة قصيرة نسبيًا، مقارنة بعدد قليل من الخطوط في مطلع عقد العشرينات. هذا النمو ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر على تأسيس بنية تحتية قادرة على مواجهة متطلبات العصر الرقمي، وتحقيق سرعة وثبات في الاتصال يفوق ما كان سائدا في شبكة النحاس التقليدية.
ما يميز هذا التوسع أيضًا هو أن الألياف البصرية لا توفر مجرد سرعة تحميل وتنزيل أعلى، بل تُمكّن من تعزيز استقرار الشبكة، تقليل الكمون (latency)، وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية مثل العمل عن بعد، التعلم عبر الإنترنت، الخدمات الحكومية الإلكترونية، والتطبيقات الاقتصادية المعتمدة على البيانات الضخمة. في هذا السياق، يمكن اعتبار الألياف البصرية ليست فقط بنية تحتية تقنية، بل ركيزة أساسية في بناء نظام رقمي متكامل يتطلب قدرة اتصال عالية وموثوقة.
رقمنة الدولة: بين الإرادة السياسية والتحدي التنفيذي
خلال السنوات الأخيرة، برز خطاب رسمي واضح في الجزائر يعتبر الرقمنة أداة مركزية لمحاربة البيروقراطية والفساد، وتسريع وتيرة المعاملات الإدارية. هذا التوجه تُرجم بإطلاق منصات رقمية متعددة في قطاعات حيوية، مثل الجباية، الحالة المدنية، الضمان الاجتماعي، التعليم العالي، وبعض الخدمات الصحية.
غير أن القراءة التحليلية تكشف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق المنصات، بل في تكاملها. إذ ما تزال العديد من الأنظمة الرقمية تعمل في جزر معزولة، دون ربط فعلي لقواعد البيانات أو تبادل سلس للمعلومات بين القطاعات، وهو ما يحد من الأثر الفعلي للرقمنة.
من الناحية الاقتصادية، تُعد الرقمنة وسيلة فعالة لترشيد النفقات العمومية، وتقليص الاعتماد على الوثائق الورقية، وتحسين تتبع الإنفاق العام. كما تساهم في رفع مستوى الشفافية، خاصة في القطاعات الحساسة كالعقار، الجباية، والصفقات العمومية.
غير أن هذا التحول يطرح إشكالية مقاومة التغيير داخل الإدارة، حيث لا تزال بعض الممارسات التقليدية تُفرغ الأدوات الرقمية من مضمونها، عبر الإبقاء على الإجراءات الورقية الموازية، أو فرض حضور المواطن رغم توفر الخدمة إلكترونيًا.
على المستوى الاجتماعي، تُواجه الرقمنة تحديًا لا يقل أهمية، يتمثل في الفجوة الرقمية بين المناطق، وبين الفئات العمرية والاجتماعية. فنجاح أي سياسة رقمية يبقى مرتبطًا بمدى قدرة المواطن على الولوج إلى الإنترنت، وفهم المنصات الرقمية، والثقة في استخدامها.
غياب التكوين الرقمي الواسع، سواء للموظفين أو للمواطنين، يجعل الرقمنة في بعض الحالات مصدر تعقيد إضافي بدل أن تكون أداة تبسيط.
الأمن السيبراني: الوجه الآخر للرقمنة
كل توسع في الرقمنة يفرض بالضرورة رفع مستوى اليقظة في مجال الأمن السيبراني. فالانتقال نحو تخزين البيانات الحساسة رقميًا يضع الدولة أمام تحديات جديدة تتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وضمان سيادة القرار الرقمي، ومنع الاختراقات.
في هذا السياق، يمكن التاكيد ان أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية لا يمكن فصله عن بناء منظومة وطنية متكاملة للأمن المعلوماتي.
في المحصلة يمكن القول إن الرقمنة في الجزائر قطعت شوطًا مهمًا على مستوى القرار السياسي والتوجه الاستراتيجي، لكنها ما تزال في مرحلة اختبار على مستوى التطبيق الشامل والفعّال. فالانتقال من رقمنة الإجراءات إلى رقمنة الذهنية الإدارية يبقى التحدي الأبرز.
النجاح الحقيقي لهذا المسار لن يُقاس بعدد المنصات المُطلقة، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة المواطن، وتعزيز الثقة في الإدارة، وتحويل الرقمنة من واجهة تقنية إلى أداة فعلية لإعادة بناء الدولة الحديثة.



















