ثلاثة وستون عامًا… هذا هو الزمن الذي استغرقناه لإدراك مدى الإلحاح في إنقاذ بقايا تراثنا المعماري.
ومع مطلع هذه السنة الجديدة، أُطلقت اللسطات الجزائرية أخيرًا عمليات ترميم لإعادة تأهيل هذه المباني الموروثة، التي اعتُبرت في وقت ما «غنائم حرب». إنها مبادرة محمودة، تشكّل بحق نفَسًا جديدًا لهذه الفضاءات المشبعة بالتاريخ.
غير أن ملاحظة أساسية تفرض نفسها. فترميم مثل هذه الروائع المعمارية لا يتم بالارتجال، بل يخضع لقواعد خاصة، صارمة وعالية التقنية. لا مكان للهواة ولا للمغامرة في هذا المجال.
الترميم يعني الشروع في مجموعة من الإجراءات الرامية إلى الحفظ، وإعادة التأهيل، والصون، مع إبراز القيمة الجمالية والتاريخية الأصلية للبناء.
وانطلاقًا من ذلك، ولضمان نتيجة مثالية، ينبغي احترام المراحل الأساسية التالية:
1 التشخيص التراثي (الدراسة القبلية):
- البحث التاريخي: تتبّع نشأة المبنى ومراحل تطوره.
- تحليل الوضع الحالي: فحص دقيق للهيكل، والأساسات، والسقف، والمواد المستعملة، مع تحديد دقيق لعلل المبنى ومشاكله.
- تحليل المواد: دراسة طبيعتها لتحديد أساليب المعالجة المناسبة.
- التشخيص الطاقوي وتحديد الشوائب: رصد الإضافات «غير الأصيلة» وتقييم الأداء الحراري.
2 اختيار المتدخلين:
- الإشراف على المشروع: اختيار مهندس معماري مختص ومتمرّس في مجال التراث.
3 المؤسسة المنفذة:
- وهي الركيزة الحقيقية للمشروع، إذ يتوجب عليها تقديم مراجع مثبتة والتوفر على عمّال ذوي كفاءة عالية. هؤلاء الحرفيون ليسوا مجرد منفذين، بل يجب أن يمتلكوا حسًا فنيًا و«قلبًا نابضًا بالعمل».
4 خبرة التشطيبات:
- من الضروري إدماج مهندس ديكور داخلي، إذ يُعدّ خبرته أساسية لتحقيق الانسجام بين التهيئة وتوزيع الأثاث العتيق، بما يضمن الاتساق التاريخي للمكان.
وأخيرًا، فإن الترميم الناجح يتطلب قدرًا من المرونة في الميزانية. فهذه التدخلات النادرة – التي لا تتكرر غالبًا إلا مرة واحدة في القرن – تُعد استثمارًا للأجيال القادمة.
فلنحذر من التضحية بالجودة على مذبح الاقتصاد الآني، لأن الهدف هو الاقتراب، قدر الإمكان، من كمال الأصل.
بقلم: توفيق عَدّة بوجلال













