أهم مراكز الدراسات في الولايات المتحدة… عقول تصنع السياسات قبل أن تُعلن

تلعب مراكز الدراسات، أو ما يُعرف بـ”Think Tanks”، دورًا محوريًا في صياغة السياسات العامة في الولايات المتحدة، حيث لا تقتصر وظيفتها على البحث الأكاديمي، بل تمتد إلى التأثير المباشر في دوائر صنع القرار، والكونغرس، والإدارات المتعاقبة، وحتى في توجهات الإعلام والرأي العام. وغالبًا ما تُكتب القرارات الكبرى بالحبر الرسمي بعد أن تُناقش بالحبر البحثي داخل هذه المراكز.

يُعد معهد بروكينغز (Brookings Institution) من أعرق وأشهر مراكز الدراسات في أمريكا، ويُصنّف باستمرار ضمن الأكثر تأثيرًا عالميًا. يركز المعهد على الاقتصاد، الحوكمة، والسياسة الخارجية، ويُنظر إليه كمرجع رئيسي لدى صناع القرار، خاصة في الإدارات الديمقراطية، دون أن يُصنّف رسميًا كمؤسسة حزبية.

إلى جانبه، يبرز مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment for International Peace)، التي تتميز بطابعها الدولي وشبكة فروعها خارج الولايات المتحدة. ويتركز عملها على قضايا الأمن الدولي، العلاقات الدولية، ومنع النزاعات، ما يجعلها لاعبًا أساسيًا في نقاشات السياسة الخارجية الأمريكية.

أما مؤسسة RAND، فتُعد حالة خاصة، إذ نشأت في الأصل كمركز أبحاث مرتبط بالجيش الأمريكي، ولا تزال تحظى بثقل كبير في مجالات الأمن القومي، الدفاع، والسياسات الاستراتيجية، إضافة إلى ملفات الصحة والتعليم.

في المقابل، يُمثّل مؤسسة هيريتيج (Heritage Foundation) التيار المحافظ بوضوح، ولها تأثير ملموس على السياسات الجمهورية، خاصة في ملفات الاقتصاد، الأمن، والهجرة. وغالبًا ما تتحول توصياتها إلى مشاريع قوانين أو سياسات تنفيذية عند وصول الجمهوريين إلى السلطة.

ويبرز أيضًا معهد كاتو (Cato Institute) بتوجهه الليبرالي الكلاسيكي، حيث يدافع عن تقليص دور الدولة، اقتصاد السوق، والحريات الفردية، بينما يُعد مركز التقدم الأمريكي (Center for American Progress) الصوت البحثي الأبرز للتيار التقدمي، خاصة في قضايا العدالة الاجتماعية والمناخ.

ولا يمكن إغفال مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، الذي يختلف عن غيره بتركيزه على استطلاعات الرأي والبيانات الاجتماعية، ويُستخدم كمصدر مرجعي واسع في الإعلام وصنع السياسات، دون انخراط مباشر في التوصيات الأيديولوجية.

تعكس هذه المراكز، باختلاف توجهاتها، حقيقة أساسية في النظام السياسي الأمريكي: السياسات لا تُصاغ فقط داخل البيت الأبيض أو الكونغرس، بل تُحضّر مسبقًا في غرف التفكير، حيث تُقاس الأفكار بالأرقام، وتُختبر السيناريوهات قبل أن تتحول إلى قرارات. وباختصار… في واشنطن، من يملك مركز دراسات قويًا، لا يحتاج إلى رفع صوته كثيرًا.

ملاحظة : ويستند هذا الترتيب إلى تصنيفات دولية مرجعية، أبرزها مؤشر “Global Go To Think Tank Index”، الذي يُصدره برنامج مراكز الفكر والمجتمع المدني (Think Tanks and Civil Societies Program) بجامعة بنسلفانيا الأمريكية. ويُعد هذا المؤشر من أكثر التصنيفات اعتمادًا في تقييم مراكز الدراسات عالميًا، إذ يقوم على معايير متعددة تشمل مستوى التأثير في صنع القرار، جودة الإنتاج البحثي، الحضور الأكاديمي والإعلامي، ومدى وصول هذه المراكز إلى دوائر السلطة، إضافة إلى استقلاليتها المؤسسية وانتشارها الدولي.

Exit mobile version