الجزائر تعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية عبر أكبر مشروع سككي في تاريخها

تستعد الجزائر لوضع واحد من أضخم مشاريع البنية التحتية في تاريخها الحديث حيّز الخدمة، من خلال خط سكك حديدية استراتيجي يربط ميناء وهران في الشمال الغربي بمنجم غار جبيلات في أقصى الجنوب الغربي، على مسافة تقارب (2000 كيلومتر). المشروع، الذي بلغت أشغاله مراحل متقدمة، يندرج ضمن رؤية وطنية تهدف إلى تطوير النقل الثقيل، تثمين الموارد المنجمية، وتقليص الاعتماد على المحروقات كمصدر رئيسي للدخل.

ويمثل هذا مشروع الشريان الغربي للسكك الحديدية، المعروف بخط السكك الحديدية الغربي، ركيزة أساسية في نقل خام الحديد من منجم غار جبيلات نحو مناطق المعالجة الصناعية في الشمال، وربطه مباشرة بالبحر الاأيص المتوسط ، بما يفتح آفاقًا واسعة أمام التصدير ويعزز تنافسية الجزائر في الأسواق الدولية.

المسار الفيزيائي وأبعاد مشروع خط السكك الحديدية الغربي

يمتد الخط فعليًا على طول بمسافة تقارب 2000 كيلومتر، انطلاقًا من ميناء وهران مرورًا بولايات بشار وتندوف، وصولًا إلى منجم غار جبيلات، أحد أكبر مكامن خام الحديد في الجزائر والعالم. ويُصنَّف المشروع ضمن أطول خطوط السكك الحديدية في القارة الإفريقية، إذ يربط شمال البلاد الصناعي والتجاري بجنوبها الغني بالثروات الطبيعية، ليشكّل شريانًا لوجستيًا جديدًا بين الصحراء وشبكات التصدير.

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أعلن أن أول قطار محمّل بخام الحديد من غار جبيلات سيصل مباشرة إلى وهران بداية 2026، في سابقة تاريخية منذ استقلال الجزائر، ما يعكس جاهزية المشروع للدخول التدريجي في الخدمة.

الأهداف الاقتصادية للمشروع

يُعد المشروع غار جبيلات وهران رافعة أساسية لتطوير قطاع التعدين في الجزائر، خاصة أن منجم غار جبيلات يقدَّر احتياطه بأكثر من 3.5 مليار طن من خام الحديد عالي الجودة، وهو ما يتيح تغطية احتياجات الصناعة الوطنية ويفتح المجال أمام تصدير المواد المعدنية بدل استيرادها.

ويراهن المخططون على أن يساهم النقل السككي في تقليص كلفة نقل الخام مقارنة بالنقل البري، إلى جانب تحفيز إنشاء وحدات تحويل ومعالجة محلية، بما يرفع القيمة المضافة ويقلص فاتورة استيراد الحديد والصلب.

كما يعزز الخط شبكة النقل الوطنية عبر ربط مناطق داخلية وصحراوية، مثل بشار وتندوف، بالشبكة السككية للمرة الأولى بهذا الحجم، ما يخفف الضغط عن الطرق البرية ويحد من تكاليف الصيانة والمخاطر المرتبطة بالنقل لمسافات طويلة.

ومن المنتظر أن يساهم المشروع، عند دخوله الخدمة الكاملة في أفق 2026، في رفع حصة الصادرات غير المرتبطة بالمحروقات، عبر تصدير خام الحديد والمنتجات المعدنية من ميناء وهران، بما يعزز مرونة الاقتصاد الوطني ويقلل تبعيته لعائدات النفط والغاز.

إنجاز هندسي بمواصفات عالية

من الناحية التقنية، يُعد المشروع من أكبر الإنجازات الهندسية في مجال السكك الحديدية بالجزائر، إذ يشمل إنجاز (1,431) منشأة هندسية، من بينها:

وتُظهر هذه الأرقام حجم التحديات الهندسية التي واجهها المشروع، خاصة في بيئة صحراوية قاسية، ما يجعله نموذجًا متقدمًا لتطوير البنى التحتية الثقيلة في البلاد.

و لا يقتصر دور سكك الحديد الغربي على نقل خام الحديد فقط، إذ تشير الخطط التشغيلية إلى تسيير نحو 10 قطارات يوميًا، تشمل ثمانية قطارات مخصصة للمواد المنجمية، وقطارًا واحدًا لنقل الركاب، وآخر للبضائع المتنوعة، ما يمنح المشروع بعدًا اقتصاديًا واجتماعيًا أوسع.

كما يتضمن الخط ست محطات رئيسية تقع في مناطق: تندوف أم العسل , حاسي خبي, عبادلة , حماقير, غار جبيلات ، إضافة إلى منشآت خاصة بالتحميل والتفريغ عند المنجم والمنطقة الصناعية قرب بشار، بما يضمن فعالية التشغيل وسلاسة النشاط التجاري.

التمويل و الشراكات الدولية :

يأتي هذا المشروع ضمن برنامج وطني واسع لتحديث شبكة السكك الحديدية، خصصت له الجزائر استثمارات تفوق (2,400 مليار دينار جزائري)(أي تقريبًا 18 مليار دولار بالحساب الدارج)، تشمل الشمال، الجنوب والهضاب العليا، بهدف رفع القدرة التشغيلية للنقل السككي.

وتشارك في تنفيذ المشروع عدة جهات، أبرزها شركة China Railway Construction Corporation (CRCC) الصينية، التي تولت إنجاز مقاطع واسعة من الخط، بالتنسيق مع مؤسسات جزائرية، مع توفير تجهيزات تقنية متطورة وخبرات هندسية عالية.

وأكدت الشركات المنفذة تعبئة الموارد البشرية واللوجستية اللازمة لاحترام آجال الإنجاز، في إطار تعاون دولي يعكس توجه الجزائر نحو الشراكات البنيوية طويلة المدى.

الأبعاد الاجتماعية والتنموية :

على الصعيد الاجتماعي، يُتوقع أن يوفر المشروع آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة خلال مرحلتي الإنجاز والاستغلال، خاصة في المناطق الصحراوية التي تعاني من محدودية الفرص الاقتصادية.

كما يسهم الخط في دمج مناطق كانت تُعد معزولة اقتصاديًا ضمن الدورة الوطنية للتنمية، ويعزز التماسك الاجتماعي عبر خلق ديناميكية جديدة للتبادل التجاري والحضري بين الشمال والجنوب، بما ينعكس إيجابًا على ولايات مثل تندوف وبشار.

رؤية استراتيجية بعيدة المدى:

يتجاوز المشروع بعده التقني ليحمل أبعادًا سيادية، إذ يعزز تحكم الجزائر في ثرواتها المنجمية عبر ربط منجم غار جبيلات مباشرة بميناء صناعي استراتيجي على البحر الأبيض المتوسط، ما يضع البلاد في موقع تنافسي داخل أسواق الحديد العالمية.

كما يساهم الخط في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للجنوب الغربي، من خلال تحويل الصحراء إلى محور تنموي متكامل يشمل التعدين، الصناعة، اللوجستيات والتصدير، في مسار يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو اقتصاد صناعي متنوع.

و يمثل خط السكك الحديدية الرابط بين وهران وغار جبيلات أكثر من مجرد مشروع نقل، إذ يُعد خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد يربط بين الثروة الطبيعية والقدرة الصناعية، ويؤسس لمرحلة جديدة في مسار التنمية الاقتصادية الجزائرية، قائمة على التنويع، الاستدامة، وتعزيز الحضور في الأسواق العالمية.

و كخلاصة يمكن القول أن  هذا المسار يعكس توجّهًا استراتيجيًا جديدًا للجزائر يقوم على جعل النقل السككي ركيزة أساسية في التنمية الاقتصادية، باعتباره أداة فعّالة للتحكم في سلاسل التوزيع وخفض كلفة اللوجستيات وتعزيز التكامل بين مناطق الإنتاج والتحويل والتصدير.

ويُبرز هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن التحكم في البنية التحتية للنقل لا يقل أهمية عن امتلاك الموارد نفسها، لما له من دور حاسم في ضبط تدفقات السلع والمواد الأولية. وفي هذا السياق، تندرج مشاريع الربط السككي الكبرى ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تحويل المواد الخام محليًا قبل تسويقها، بدل تصديرها في شكلها الأولي، بما يسمح بخلق قيمة مضافة حقيقية، ودعم النسيج الصناعي الوطني، وتعزيز موقع الجزائر في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.

Exit mobile version