شهدت العلاقات الدولية في الأسابيع الأخيرة موجة من التحركات الدبلوماسية نتيجة تصاعد التوترات بين أوروبا والولايات المتحدة حول ملفات استراتيجية شملت غرينلاند والتجارة والطاقة، ما دفع المسؤولين الأوروبيين إلى الدعوة لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للقارة وتقليل الاعتماد الكامل على واشنطن في المجالات الاقتصادية والأمنية. هذا التوجه يعكس رغبة أوروبا في إعادة تقييم أولوياتها الدولية والبحث عن توازن بين القوى الكبرى، مع الانفتاح على شركاء آخرين، أبرزهم الصين، دون أن يعني ذلك انقلابًا كاملًا نحو بكين.
في هذا السياق، توجه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصين في الفترة من 14 إلى 17 جانفي 2026، في أول زيارة لرئيس حكومة كندي منذ ثماني سنوات، بناءً على دعوة من رئيس مجلس الدولة الصيني، بهدف تحسين العلاقات الثنائية وتعزيز الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي بعد فترة من التوترات والعلاقات المتجمدة.
خلال الزيارة التقى كارني بعدد من كبار المسؤولين الصينيين، بمن فيهم الرئيس شي جين بينغ، في محاولة لإعادة توطيد العلاقات بين البلدين والمضي قدمًا نحو شراكة أكثر استقرارًا. وفي اليوم التالي، التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيرته الكندية أنيتا أناند، حيث وصف الجانب الصيني زيارة كارني بأنها نقطة تحول في العلاقات الثنائية، مؤكداً استعداد بكين لتوطيد علاقات أعمق مع كندا وتعزيز الثقة المتبادلة وتوسيع التعاون في ظل تغيّرات عالمية كبيرة. وقد سبق أن أعلنت وزيرة الخارجية الكندية ميلاني جولي عن أهمية تنويع العلاقات الخارجية لكندا، خاصة في مواجهة الضغوط التجارية والاستراتيجية الأمريكية، وهو ما انعكس جزئيًا في هذه التحركات نحو الصين.
في الوقت نفسه، أعلنت بكين عن زيارة رسمية لرئيس الوزراء الفنلندي بيتي أورو في الفترة من 25 إلى 28 جانفي 2026، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الصين وفنلندا، مع التركيز على توسيع التعاون في مجالات متعددة تشمل التجارة والاستثمار، والالتقاء على مستوى عالٍ مع الرئيس شي وقيادات صينية أخرى. وقد أظهرت التحضيرات للزيارة التزام لجنة التعاون التجاري والابتكار الصينية الفنلندية بعقد اجتماعها السادس في بكين، بما يعكس رغبة واضحة في تعزيز الشراكات العملية بين الشركات من كلا البلدين.
أما في بريطانيا، فمن المتوقع أن يقوم رئيس الوزراء كير ستارمر بزيارة رسمية إلى بكين لاستئناف حوار الأعمال بين البلدين، في خطوة تهدف إلى إعادة دفء العلاقات التجارية والسياسية بعد سنوات من التوتر، وتعكس حرص لندن على حماية مصالحها الاقتصادية في آسيا مع الحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية. وفي إطار الاتحاد الأوروبي، بدأت العديد من العواصم الأوروبية تتحدث عن ضرورة الاستقلال الاستراتيجي، مما يتيح تعزيز العلاقات مع شركاء تجاريين مثل الصين دون التخلي عن التحالفات التقليدية مع الولايات المتحدة، في حين يقوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بجولة أفريقية اعتبرت إعادة تموضع دبلوماسي لتعزيز الشراكات مع بكين ضمن إطار الحفاظ على التوازن بين القوى الكبرى.
وعلى الصعيد الآسيوي، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ في أول زيارة لرئيس كوريا الجنوبية إلى الصين عام 2026، حيث أكدا تعزيز الاتصالات والتعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية. وتستمر العلاقات الأوروبية-الصينية في الجمع بين التعاون والتنافس، خصوصًا في مجالات التجارة والتكنولوجيا، بما في ذلك قطاع السيارات الكهربائية، فيما يواصل الطرفان اللقاءات الدبلوماسية لمحاولة تسوية الخلافات وتجنب أي تصعيد قد يؤثر على ثقة المستثمرين.
حتى الآن، يمكن القول إن أوروبا وكندا وفنلندا وبريطانيا لا تتجه عمليًا إلى الصين كبديل كامل للولايات المتحدة، بل تسعى لتحقيق توازن استراتيجي يقوم على تعزيز الاستقلالية، الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع الصين، وتنويع الشراكات دون الاعتماد الأحادي على أي طرف. وهذا يعكس سعي هذه الدول لإدارة مصالحها بطريقة عقلانية ومرنة، مع التركيز على حماية سيادتها واتخاذ قرارات استراتيجية مدروسة في سياق عالمي متقلب ومتنامي التنافس بين القوى الكبرى.












