شهد الذهب تحولًا مهمًا في السنوات الأخيرة، فلم يعد مجرد أصل استثماري يرتبط بالمدخرات الفردية، بل أصبح مؤشرًا بارزًا لمعنويات السوق واستراتيجيات البنوك المركزية في مواجهة التضخم وعدم اليقين الاقتصادي.
ارتفع سعر الذهب بشكل غير مسبوق في الفترة الأخيرة. ففي عام 2025 قفز الذهب بنسبة نحو 60% منذ بداية العام، متجاوزًا 4,000 دولار للأونصة، وهو أقوى ارتفاع منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي قبل أن يسجل في يناير 2026 مستويات تاريخية تتجاوز 5,000 دولار للأونصة مع استمرار الطلب على الأصول الآمنة.
يمثل هذا الارتفاع امتدادًا لسلسلة من التحولات؛ ففي أوائل عام 2023 كان سعر الذهب أقل من 1,900 دولار، ثم ارتفع تدريجيا خلال سنوات ما بعد الجائحة مع زيادة مخاطر التضخم وتقلبات السوق. وفي أكتوبر 2025 تجاوز المعدن النفيس 4,000 دولار، بدفع من مخاوف التضخم والاضطرابات الجيوسياسية والطلب المتزايد من المستثمرين والمؤسسات.
وفي قلب هذه الزيادة، تلعب البنوك المركزية دورًا حاسمًا. أشار تقرير من مجلس الذهب العالمي إلى أن غالبية البنوك المركزية تخطط لزيادة احتياطياتها من الذهب خلال السنوات الخمس القادمة، حيث توقع 76% من 73 بنكًا مركزيًا مشاركًا في الدراسة زيادة حيازة الذهب مقارنة بما كانت عليه قبل ذلك.
ويرتبط هذا التوسع بسياسات مواجهة التضخم وعدم اليقين. عندما تتصاعد توقعات التضخم وتضعف ثقة المستثمرين في العملة الورقية، تتجه البنوك المركزية إلى زيادة مشترياتها من الذهب كأصل يحافظ على القيمة، ما يعزز الطلب الإجمالي ويرفع الأسعار. وقد سجلت بعض البنوك مشتريات صافية بارزة؛ ففي مارس من عام 2025 بلغ صافي مشتريات البنوك المركزية حوالي 17 طنًا من الذهب، مع أوسع مشاركة للبنك المركزي البولندي والكازاخستاني.
علاوة على ذلك، أصبحت توقعات التضخم وأسعار الفائدة عنصرًا مركزيًا في تحركات الذهب. عادة ما يُنظر إلى الذهب كأداة تحوط ضد التضخم: كلما ارتفع التضخم المتوقع، كلما زاد الطلب على الذهب كوسيلة لحماية القوة الشرائية. ومع انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية أو توقع خفضها من البنوك المركزية مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، يصبح الذهب أكثر جاذبية، لأن تكلفة الفرصة البديلة لحيازته تنخفض.
لكن تأثير الذهب لا يقتصر على الأسواق المالية فقط. ارتفاعه دفع المستثمرين من القطاع الخاص إلى زيادة الاستثمار في صناديق الذهب المتداولة (ETFs) والأصول المرتبطة بالمعدن، وكذلك دفع كيانات غير تقليدية مثل بعض منصات العملات المستقرة لشراء كميات ملحوظة من المعدن كجزء من احتياطاتها.
يبقى الذهب، رغم كونه مخزنًا للقيمة، عرضة لتقلبات مرتبطة بالتغيرات الاقتصادية العالمية والسياسات النقدية. ومع ذلك، يبدو أنه تحول إلى مؤشر حيّ للتوترات الاقتصادية العالمية، يعكس مخاوف المستثمرين من التضخم وتقلبات النظام المالي بأكمله أكثر من كونه مجرد سلعة استثمارية تقليدية.
