تُعد عربات الترام ذات اللونين الأزرق والأبيض في قلب مدينة الإسكندرية شمال مصر أكثر من وسيلة نقل؛ فهي جزء من ذاكرة المدينة وتراثها الثقافي. في كل ميدان كبير، تتوقف العربات لتفتح أبوابها لركاب يعرف كثير منهم كل محطة عن ظهر قلب، بينما يعكس كل مسار للترام أكثر من 150 عامًا من التاريخ الحضري.
اليوم، ومع بدء خطة إيقاف التشغيل التدريجي لخطوط الترام القديمة، يواجه السكان والركاب شعورًا مختلطًا بين الترقب والقلق. فبين الأول من فبراير وحتى 1 أبريل، ستُطبَّق خطة الإيقاف على ثلاث مراحل: إيقاف تجريبي، ثم جزئي، وأخيرًا إيقاف كامل للخط بهدف تجديده واستبداله بنظام قطارات خفيفة رقمية. هذا المشروع يعد واحدًا من أحدث محطات حملة أوسع لتجديد شبكات الطرق والسكك الحديدية في مصر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
تشير السلطات إلى أن التجديد سيضاعف سرعة النقل تقريبًا، ويقلص وقت الرحلة من أول إلى آخر محطة بأكثر من نصف ساعة، ويزيد من سعة الركاب، بما يسهم في تحسين تجربة التنقل داخل المدينة. كما سيتضمن المشروع رفع أجزاء من خط الترام لتجاوز التقاطعات، وهو ما يثير قلق البعض من أن تزداد الأولوية للمركبات والسرعة على حساب جماليات المدينة وكثافة الأحياء السكنية.
يرى السكان أن الترام أكثر من مجرد وسيلة مواصلات. فبالنسبة لفاطمة حسين، المهندسة الزراعية المتقاعدة، الترام “ذكرياتنا منذ الصغر، وتاريخنا الذي لا يُقدّر بثمن”، مضيفة أن توقفه يحرم فئات واسعة من الموظفين والطلاب والمتقاعدين من وسيلة نقل مألوفة وميسورة التكلفة. بينما يرى سائق الترام محمود رمضان، الذي قضى أكثر من ثلاثين عامًا في خدمة خط الرمل، أن فقدان الخط يمثل وجعًا شخصيًا وجماعيًا، فهو المكان الذي تعرف فيه على زوجته وكون فيه أسرته، ويعبر عن شعوره العميق قائلاً: “مش أي حد هيفهم الأمر ده غير الناس اللي عايشة معانا”.
يستذكر الروائي علاء خالد كيف كان ركوب الترام لعبة مع والده، حيث كان يتسلق بين الطابقين ليشهد المدينة من زوايا مختلفة، بينما تظل النوافذ العريضة للترام تطل على الشوارع المليئة بالأشجار والفيلات التاريخية والمباني القديمة، ما يجعل الرحلة تجربة ثقافية وفنية في حد ذاتها. المهندسة المعمارية والمتخصصة في التنقل الحضري ياسمين قنديل أبدت مخاوفها من أن المشروع يركز على السرعة دون مراعاة التناغم مع إيقاع المدينة وكثافتها السكانية، معتبرة أن “ليس دائمًا الحل هو التوسع وزيادة السرعة”.
في المقابل، يرحب بعض الركاب بالتحسينات المتوقعة، خاصة زيادة السرعة وسعة النقل، لكنهم يعبرون عن قلقهم من ازدحام الشوارع الضيقة خلال فترة الأعمال، وارتفاع تكاليف التذاكر، وما يرافق ذلك من اضطراب يومي. ومع الأخذ في الاعتبار التجربة السابقة لتعليق خط أبو قير للسكك الحديدية لتحويله إلى مترو، فإن المخاوف من تفاقم الازدحام تبدو مبررة. وتخطط السلطات لنشر حافلات بديلة خلال أعمال المشروع لتخفيف الضغط، لكنها لم تحدد بعد جداول تشغيل دقيقة أو تفاصيل خطة التواصل مع السكان.
ويُقدّر تمويل المشروع بنحو 592 مليون يورو (708 ملايين دولار)، منها 138 مليون يورو (165 مليون دولار) من بنك الاستثمار الأوروبي، بينما تشارك الوكالة الفرنسية للتنمية في التمويل، ما يعكس الدعم الدولي لجهود تحديث شبكة النقل بالإسكندرية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام القائمين على المشروع هو الموازنة بين تقديم تجربة نقل سريعة وعصرية، والحفاظ على الطابع التاريخي والجمالي للمدينة، التي يمثل ترام الرمل جزءًا من هويتها وذاكرتها الاجتماعية والثقافية. فبينما يسعى المشروع لتحديث البنية التحتية، يبقى السؤال: هل يمكن للمدينة أن تحتفظ بروحها التاريخية وسط التحول الرقمي وسعيها للحداثة؟
المصدر: رويترز.













