لم تكن الندوة الفكرية التي احتضنتها دار الثقافة مولود معمري بولاية تيزي وزو مجرد وقفة استذكارية لشخصية فكرية راحلة، بل جاءت كتمرين جماعي على استحضار سؤال النهضة في الجزائر، من خلال تجربة أحد أبرز رموزها: الأستاذ الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم.
الندوة، التي نظمها المجلس الإسلامي الأعلى تحت عنوان “أثر الأستاذ مولود قاسم في الفكر والثقافة الجزائرية”، أعادت فتح ملف فكري ظل حاضرًا بقوة في النقاش الثقافي الجزائري، لما يحمله من توازن نادر بين أصالة المرجعية وجرأة الانفتاح على العصر. حضور السلطات المحلية والنخب الأكاديمية عكس إدراكًا متزايدًا بأن فكر مولود قاسم لم يعد شأنًا تاريخيًا، بل مادة حية للنقاش والاستلهام.
في كلمته الافتتاحية، اعتبر رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، الدكتور مبروك زيد الخير، أن استحضار فكر مولود قاسم هو استحضار “مدرسة متكاملة”، قادرة على صياغة مشروع تربوي وثقافي لا يكتفي بحماية الهوية، بل يسعى إلى تفعيلها في سياق التحولات المعاصرة. وهو توصيف لخص جوهر الرؤية التي وسمت تجربة المفكر الراحل.
الجلسة الأولى من أشغال الندوة توقفت عند الأبعاد الشخصية والمنهجية في فكر مولود قاسم، حيث أجمع المتدخلون على أن الرجل نجح في المزاوجة بين التفتح والمحافظة، دون الوقوع في التناقض أو الانغلاق. أما الجلسة الثانية، فقد غاصت في العمق التربوي والاستشرافي لمشروعه، خاصة ما تعلق بمفاهيم التعليم الأصلي وهندسة الخطاب الحضاري.
وخلص المشاركون إلى أن فكر مولود قاسم لا يمثل مجرد رصيد معرفي، بل أداة فاعلة لتحصين الوعي الثقافي وبناء جيل يمتلك وضوح الرؤية والثقة في الانتماء، وقادر على مواجهة تحديات المستقبل دون التفريط في الثوابت.
هكذا، لم تكن الندوة تأبينًا لفكر مضى، بل محاولة لإعادة إدخاله إلى قلب الأسئلة الراهنة، في زمن يبدو فيه استدعاء العقول المؤسسة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.













