تطرّق الخبير المصري ماهر فرغلي، الباحث والمحلل المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية والحركات المرتبطة بالإسلام السياسي، إلى أن الإشكال الجوهري في التنظيمات العقائدية، وعلى رأسها جماعة الإخوان،اصبح لا يقتصر على التمسك بمفاهيم العمل الجماعي والسمع والطاعة، بل يتجلى أساسًا في الخلط بين الجماعة بوصفها مبدأً دينيًا والجماعة كتنظيم سياسي مغلق. وأوضح فرغلي أن العمل الجماعي في الإسلام يقوم على التشاور والمشاركة وحرية الرأي والنية الصادقة، بينما تحوّل بعض التنظيمات السياسية هذه القيم إلى آليات تُستخدم لإلغاء التساؤل وتعطيل الاستقلال الفكري للأفراد داخل بنيتها التنظيمية.
ورأى فرغلي أن هذا الخلط يؤدي إلى حالة من الطاعة المطلقة للقيادة التي تُقدَّس داخل التنظيم، وكأنّ الحكم التنظيمي منحة إلهية لا يُشَكُّ فيها. مثل هذا التقديس يماثل ما تراه بعض التيارات في العالم السياسي، حيث يتماهى الولاء للتنظيم مع الولاء للدين نفسه، فيُسقط الأفراد مواقفهم وقناعاتهم الشخصية لصالح “القرار التنظيمي”.
أضاف الخبير أن هذه الديناميكية تُنتج ثنائيّة مؤلمة:
- ولاء أعمى للتنظيم دون مساءلة أو نقد،
- هدر قدرات الأفراد الذاتية وقدرتهم على تطوير حلول مستقلة للمشكلات التي تواجههم في المجتمع.
ومن هنا يأتي التصلّب الأيديولوجي الذي ذكرته في بداية المقال، والذي لا يسمح بتنويع الرؤى داخل التنظيم، ما يزيد من الجمود الهيكلي ويُضعف قدرة الجماعة على التكيّف مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية. فرغلي يشير إلى أن نمو الجماعات ونفوذها لا يكون إلا عندما تستطيع أن تتفاعل مع محيطها، لا عندما تنكفئ على نفسها، وتحوّل أعضاءها إلى أدوات تنفيذ فقط.
كما بيّن أن السمع والطاعة غير المشروطة تُنتج نوعاً من الانغلاق الفكري الذي يُفقد الجماعة القدرة على الاحتفاظ بشرعيتها حتى بين أعضائها أنفسهم. فحينما يصبح السؤال عن الهدف أو الوسيلة من الكبائر التنظيمية، تتراجع القدرة على الحوار الداخلي، ويُصبح كل خروج عن المنظومة تفسيراً لاتهام بالرفض أو الخروج عن الدين، بدلاً من كونه استفساراً مشروعاً.
وخلص فرغلي إلى أن الحل الحقيقي لا يكمن في التفريط بالعمل الجماعي، بل في تحريره من طغيان السلطة داخل التنظيم. فالعمل الجماعي القائم على الحوار، والمساءلة، واحترام الرأي الآخر، لا على الطاعة العمياء، هو الذي يُنتج تنظيماً يُمكن أن يكون جزءاً فاعلاً من المجتمع، لا شِرذمة معزولة داخلياً، عاجزة خارجياً.
وفي هذا السياق، تصبح المراجعة الذاتية داخل التنظيمات ضرورة أعمق من مجرد الخلاف الإداري؛ لأنها مسألة ثقافة تنظيمية تعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والكيان الذي ينتمي إليه، وتُعيد الاعتبار إلى فكرة أن العمل الجماعي ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أثر حقيقي في المجتمع، دون التضحية بالقدرة على التفكير الحر أو النقد البنّاء.













