في برلين، يبدو أن الخريطة الحقوقية الغربية حصلت على تحديث مفاجئ: المقاومة أصبحت فجأة “حلالًا” بعد أن كانت لفترة طويلة “محرّمة”. فبينما سُمح لتظاهرات دعم الشعب الإيراني بالانعقاد في أماكن رمزية وبمشاركة آلاف المتظاهرين، تُقيّد الاحتجاجات الداعمة للفلسطينيين أحيانًا بالمنع أو التفريق بالقوة. هذه الازدواجية تكشف كيف يمكن للسياسة أن تحوّل المعاناة الإنسانية إلى مسألة صلاحية أو حرمة حسب المزاج الأطلسي، وكأن هناك لجنة فتوى دولية تحدد أي احتجاج يُعتبر “مشروعًا” وأي واحد يُصنّف فجأة كتهديد للنظام العام.
بعد التحشيد العسكري الأمريكي المكثف قرب مضيق هرمز، في قرع واضح لطبول الحرب، جاء الدور على باقي دول حلف شمال الأطلسي للمشاركة، كلٌّ حسب قدرته. فمن يملك الجيوش والسلاح يشارك ميدانيًا، ومن لا يملك سوى المنابر والخطاب، يُكلّف بدور لا يقل أهمية: إصدار “الفتاوى السياسية”، وحشد الشارع، وتوجيه الرأي العام، وتضليله عند الحاجة. هكذا تتحوّل العواصم الأوروبية من ساحات دفاع عن القيم إلى أدوات في معركة سرديات، تُشرعن فيها المواجهة قبل أن تبدأ، ويُصنّف فيها الخصم أخلاقيًا قبل أي استهداف سياسي أو عسكري.
وقد غطّت الوكالات العالمية الحدث، مشيرة إلى أن آلاف الأشخاص تظاهروا السبت في برلين دعمًا لما سمّته “الاحتجاجات الشعبية الإيرانية”، بالتزامن مع ذكرى الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه عام 1979. وجاءت المظاهرة بعد موجة احتجاجات اندلعت في ديسمبر 2025 بسبب الصعوبات الاقتصادية، قبل أن تتحول إلى أعمال شغب مسلحة، خلفت حوالي 3 117 قتيلًا بحسب الإحصاءات الإيرانية الرسمية، بينهم مدنيون وعناصر من قوات الأمن.
أما عن المشاركة الفعلية في برلين، فقد ذكرت الشرطة أن ثمانية آلاف شخص تجمعوا عند بوابة براندنبورغ، فيما سجل 20 ألفًا أسماءهم للمشاركة. من جانبه، قال شاهين جوبادي، عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، إن عدد المشاركين الفعلي بلغ حوالي 100 ألف شخص، مشيرًا إلى أن آلافًا آخرين لم يتمكنوا من السفر بسبب إلغاء الرحلات الجوية نتيجة سوء الأحوال.
المثير للدهشة أن وسائل الإعلام العالمية استخدمت مصطلح “المقاومة الإيرانية” مباشرة في تقاريرها، دون وضعه بين اقتباسات أو نسبه لطرف ثالث مشكوك في مصداقيته. وما يلفت الانتباه أكثر أن المصطلح أصبح فجأة مشروعًا ومعترفًا به، بعد أن كان لفترة طويلة محظورًا أو موضع تحفّظ عند الحديث عن المقاومة الفلسطينية. يعكس هذا الاستخدام أيضًا اتساق الخطاب الإعلامي الغربي مع المواقف السياسية من إيران، إذ يُقدَّم الحراك على أنه طرف فاعل وموضوعي في المشهد، ما يمنحه اعترافًا رمزيًا قبل أي اعتراف رسمي.
في المقابل، تستمرّ حرب الإبادة ضدّ الشعب الفلسطيني منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، وقد خلّفت إلى غاية اليوم أكثر من 72 ألف شهيد ونحو 171 ألف جريح، إضافة إلى مئات المفقودين تحت الأنقاض. ومع ذلك، يُحرم هذا الشعب من أبسط حقوقه: لا يُسمح بالتظاهر من أجله، ولا يُعترف له بحق المقاومة، وكأن معاناته خارج سلّم التعاطف، ودمه لا يستوفي شروط “الشرعية” السياسية.
وكانت ألمانيا قد برزت كمثال على هذه الازدواجية خلال حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، حيث واجهت تظاهرات التضامن قيودًا شديدة، أحيانًا وصلت إلى المنع الكلي أو التفريق بالقوة، بحجج تتعلق بـ”الأمن العام” أو “مكافحة خطاب الكراهية”. بينما سُمح لتظاهرات ضد النظام الإيراني بالانعقاد بحرية مطلقة، بوصفها دفاعًا عن حقوق الإنسان، وهو خطاب يتماشى مع الموقف السياسي الأوروبي تجاه إيران باعتبارها خصمًا.
كما أن منظمات المجتمع الدولي، التي ظلّت غائبة أو في سبات دام سنتين خلال ابادة الشعب الفلسطيني، ظهرت فجأة في مظاهرات ضد النظام الإيراني، لتتقمص دور المدافع عن حقوق الإنسان والحريات العامة، وهو ما يعكس ازدواجية المعايير الدولية، إذ تُغفل الانتهاكات في فلسطين بينما تُمنح تغطية ودعمًا واسعًا لخصوم سياسيين.
وكان المنظمون قد أشاروا إلى دعم 344 منظمة وشخصية سياسية، بما في ذلك تكتلات برلمانية ونقابات وجهات مدنية أوروبية، إضافة إلى 312 جمعية إيرانية في أوروبا. هذا التباين يطرح سؤالًا جوهريًا: هل المعيار هو حماية حقوق الإنسان، أم موقع الدولة المعنية في خارطة التحالفات السياسية؟ فقتل المدنيين في فلسطين، رغم التوثيق بالأرقام والصور، لا يُترجم غالبًا إلى مساحة احتجاج مماثلة، بينما تُفتح المجال على مصراعيه لدولة مصنفة كخصم سياسي.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل الدفاع عن الإنسان قيمة ثابتة، أم موقف ظرفي يتغير بتغير التحالفات؟ السؤال لا يخص فلسطين أو إيران فقط، بل يمس مصداقية الخطاب الحقوقي الغربي برمّته.













