تشهد العلاقات الجزائرية الموريتانية في الآونة الأخيرة تحولاً جذرياً انتقل بها من مجرد علاقات دبلوماسية قائمة على “حسن الجوار” التقليدي إلى شراكة استراتيجية ميدانية، تهدف إلى إعادة رسم الخارطة الاقتصادية لمنطقة غرب أفريقيا والمغرب العربي. هذا التقارب، الذي وصفه مراقبون بـ “العصر الذهبي”، ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار طويل من التلاحم التاريخي الذي صمد أمام أعاصير الجغرافيا والسياسة.
لطالما كانت الجزائر بالنسبة لموريتانيا العمق الذي تلتجئ إليه في المنعطفات الكبرى. فمنذ استقلال نواكشوط، كانت الدبلوماسية الجزائرية هي “المحامي” عن سيادة موريتانيا في المحافل الدولية. ولا يزال التاريخ يحفظ للجزائر دورها المحوري في عام 1973، حين قدمت الدعم التقني والمالي الكامل لموريتانيا لإصدار عملتها الوطنية (الأوقية)، في خطوة جريئة للتحرر من قيود التبعية النقدية الاستعمارية.
ورغم سحب التوتر التي شابت العلاقات في منتصف السبعينيات بسبب نزاع الصحراء الغربية، إلا أن “براغماتية الأخوة” انتصرت في النهاية، ليعود البلدان منذ الثمانينيات إلى مربع التنسيق الأمني والسياسي الوثيق.
ثورة المشاريع… “تندوف – الزويرات” قلب القارة النابض
لا يمكن الحديث عن العلاقات اليوم دون التوقف عند المشروع “المعجزة”: طريق تندوف-الزويرات. هذا الطريق، الذي يمتد على مسافة تتجاوز 800 كيلومتر، ليس مجرد زفت وحجارة، بل هو شريان حياة يربط الجزائر بعمقها الأفريقي، ويحول موريتانيا إلى منصة لوجستية دولية.
أبرز ملامح التحول الاقتصادي الأخير:
المناطق الحرة: إنشاء منطقة تجارة حرة في تندوف لتسهيل حركة البضائع نحو أسواق غرب أفريقيا.
السيادة المالية: افتتاح “بنك الاتحاد الجزائري” في نواكشوط كخطوة لدعم الاستثمارات المشتركة.
التعاون الطاقوي: تزويد السوق الموريتانية بالمنتجات النفطية والغازية الجزائرية، وتبادل الخبرات في قطاع المناجم.
التحديات الأمنية: خندق واحد ضد الإرهاب
في ظل الاضطرابات التي تعصف بمنطقة الساحل، يجد البلدان نفسهما في “خندق واحد”. التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الجزائر ونواكشوط وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تدرك القيادة في البلدين أن استقرار الجزائر من استقرار موريتانيا، والعكس صحيح. يبرز هذا التعاون في ضبط الحدود الطويلة ومنع تسلل الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب الدولي.
إن الزخم الذي أعطاه الرئيسان عبد المجيد تبون ومحمد ولد الشيخ الغزواني لهذه العلاقات، يؤكد أن البلدين يتجهان نحو “تكامل اندماجي”. فالمسألة لم تعد تتعلق بتجارة عابرة، بل ببناء تكتل اقتصادي وأمني قادر على الصمود أمام التحديات العالمية.
إن العلاقات الجزائرية الموريتانية اليوم هي النموذج الأبرز لما يجب أن تكون عليه علاقات “الجنوب-جنوب”؛ حيث تتلاقى الإرادة السياسية مع المصلحة الاقتصادية، لتصنع مستقبلاً واعداً لشعبين يجمعهما أكثر مما تفرقهما الحدود.













