Site icon الصحفي

وزير الداخلية الفرنسي في الجزائر.. هل تبدأ رحلة “الحلحلة” الدبلوماسية من بوابة الأمن؟

تتجه الأنظار اليوم الاثنين 16 فبراير إلى العاصمة الجزائرية، التي تستقبل وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز (Laurent Nuñez) في زيارة رسمية تحمل في طياتها الكثير من الرسائل السياسية، وتأتي في توقيت حساس يطبعه جمود في بعض مفاصل العلاقات الثنائية. ورغم أن الطابع المعلن للزيارة هو “أمني وفني”، إلا أن المراقبين يجمعون على أنها قد تكون “بادرة حلحلة” فعلية للأزمات المتراكمة بين الجزائر و باريس.

و لطالما كان ملف “الداخلية” هو القناة الأكثر حيوية واستمرارية بين البلدين؛ حيث يلتقي الوزير الفرنسي بنظيره الجزائري لبحث قضايا الهجرة، التأشيرات، ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل. لكن هذه المرة، يتجاوز اللقاء جدول الأعمال التقليدي، إذ يُنظر إليه كخطوة “جس نبض” لإعادة الدفء إلى العلاقات التي شهدت فترات من الفتور والتوتر الدبلوماسي المرتبط بملفات الذاكرة والمواقف السياسية الإقليمية.

و تأتي زيارة لوران نونيز للجزائر لتعالج نقاط الخلاف التي أدت سابقاً إلى “انسداد” في التواصل، ومن أبرزها:

انفراجة في ملف التأشيرات: تسعى باريس لإظهار مرونة أكبر في منح التأشيرات للجزائريين، مقابل تنسيق أوثق مع الجزائر في ملف استعادة المهاجرين غير الشرعيين (التصاريح القنصلية).

التنسيق في منطقة الساحل: تبحث فرنسا عن شريك قوي وموثوق كالجزائر لضبط الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي، خاصة مع التغيرات الجيوسياسية المتسارعة هناك.

ترطيب الأجواء للقمة الكبرى: قد تكون هذه الزيارة تمهيداً لزيارات رسمية رفيعة المستوى (على مستوى الرئاسة)، تهدف إلى وضع حد لحالة “اللا سلم واللا حرب” الدبلوماسية.

وتأتي هذه الزيارة لتعكس قناعة فرنسية متزايدة بأن الجزائر هي حجر الزاوية في التوازنات الإفريقية، والبوابة الرئيسية والوحيدة القادرة على تأمين العمق القاري. ففرنسا، التي تواجه تحديات كبرى في نفوذها التقليدي، باتت تدرك أن الدور المحوري للجزائر في محاربة الإرهاب وتفكيك شبكات الجريمة المنظمة في منطقة الساحل ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حيوية للأمن الأوروبي ذاته. فبفضل خبرتها الميدانية العميقة وثقلها الدبلوماسي، تفرض الجزائر نفسها اليوم كشريك استراتيجي يمتلك مفاتيح الاستقرار في منطقة تموج بالاضطرابات.

الحلحلة.. واقع أم طموح؟

لم ـتأتي زيارة وزير الداخلية لوران نونيز  للجزائر وليدة الصدفة، بل سبقتها قبل أسابيع قليلة (في أواخر جانفي 2026) زيارة لافتة قامت بها سيغولين رويال بصفتها رئيسة لجمعية “فرنسا-الجزائر”. رويال، التي تُعد من “حمائم” السياسة الفرنسية تجاه الجزائر، حملت خطاباً تصالحياً قوياً ركز على ضرورة “الاعتذار والتعويض” عن الحقبة الاستعمارية،

ودعت ا سيغولين رويال إلى إعادة الأرشيف والجماجم المتبقية كخطوة أساسية لبناء الثقة. ويُنظر إلى تحركات رويال بأنها كانت “كاسحة ألغام” دبلوماسية؛ حيث نجحت في فتح قنوات الحوار ولقاء كبار المسؤولين الجزائريين، مما خلق أرضية أكثر ليونة سمحت لوزير الداخلية اليوم بالقدوم لمناقشة الملفات “الخشنة” مثل الأمن والهجرة. هذا التناوب بين الخطاب الرمزي لرويال والملفات التقنية لنونيز يعكس محاولة باريس اعتماد استراتيجية “متعددة المسارات” لإحداث خرق حقيقي في جدار الأزمة مع الجزائر، وتحويل النوايا الحسنة التي أبدتها رويال إلى اتفاقيات عملية يوقعها نونيز.

إن اختيار وزير الداخلية للقيام بهذه المهمة يعكس رغبة فرنسية في البدء بالملفات “العملية” التي تهم المواطن والدولة على حد سواء، بعيداً عن صخب التصريحات السياسية. فإذا نجح الطرفان في الوصول إلى تفاهمات ملموسة بخصوص حركة التنقل والتعاون الأمني، فإن ذلك سيعطي “إشارة خضراء” لبقية القطاعات (الاقتصادية والثقافية) لاستئناف نشاطها الطبيعي.

“حلحلة الأوضاع” بين الجزائر وفرنسا لا تعني بالضرورة اتفاقاً كاملاً، بل تعني الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “إدارة المصالح”، وهو ما يبدو أن زيارة اليوم تسعى لتحقيقه من خلال فتح قنوات الحوار المباشر.

تبقى زيارة وزير الداخلية الفرنسي اختباراً حقيقياً لمدى توفر الإرادة السياسية لدى الطرفين لتجاوز رواسب الماضي. فهل ستنجح “دبلوماسية الأجهزة الأمنية” فيما تعثرت فيه القنوات السياسية التقليدية؟ الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة، بناءً على مخرجات البيان الختامي لهذه الزيارة.

Exit mobile version