في مشهد تلفزيوني عكس حجم الفجوة بين “عمق التاريخ” و”سطحية الإعلام الفرنسي”، أعرب المؤرخ الفرنسي المعروف بنيامين ستورا عن استيائه الشديد خلال استضافته في أحد البرامج الفرنسية، رافضاً محاولات حصر النقاش حول العلاقات الجزائرية الفرنسية في قضايا “المؤثرين” على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبراً ذلك نوعاً من الإهانة لتاريخ مثقل بالجراح والصدمات.
بدأت ملامح الغضب تظهر على ستورا حينما حاول مقدمو البرنامج جره للحديث عن قضايا “تريند” تتعلق بمؤثرين رقميين وأزمات دبلوماسية عابرة. ورد المؤرخ بلهجة حاسمة قائلاً إنه لم يأتِ لمناقشة “مؤثري دبي”، بل جاء للحديث عن 132 عاماً من الاستعمار الفرنسي للجزائر، وعن تقارير الذاكرة التي كُلف بها رسمياً لمعالجة صدمات تاريخية خلفت مئات الآلاف من الضحايا.
ولم يتوقف ستورا عند حدود العتاب، بل أعاد توجيه البوصلة نحو القضايا التي تصفها الجزائر دائماً بـ “المقدسة” في ملف الذاكرة. وأشار ستورا بمرارة إلى قضية “جماجم المقاومين الجزائريين” المودعة في متحف الإنسان بفرنسا، مؤكداً أنه قضى ساعات طويلة في توثيقها، واصفاً إياها بأنها “قضية كبرى” لا تقارن بأي تجاذبات إعلامية تافهة. كما ذكر بأهمية فتح ملفات التجارب النووية في الصحراء والمفقودين خلال معركة الجزائر، كأعمدة أساسية لأي مصالحة حقيقية بين البلدين.
يأتي موقف ستورا هذا ليعكس الصعوبات التي تواجهها لجان الذاكرة المشتركة؛ فبينما يسعى المؤرخون والجانب الجزائري للغوص في الأرشيف واسترجاع الحقوق المعنوية والمادية للضحايا، يحاول بعض الإعلام الفرنسي اختزال الأزمات في قشور سياسية لحظية. وقد شدد ستورا على أن المهمة التي كلفه بها الإليزيه قبل سنوات تهدف إلى فهم “الصدمات الجماعية” وكيفية بناء جسر فوق هوة الدماء والدموع التي خلفتها الحقبة الاستعمارية.
لقد كانت “صرخة” ستورا بمثابة تذكير قوي بأن ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا ليس مادة للاستهلاك التلفزيوني السريع، بل هو جرح مفتوح يتطلب احتراماً للضحايا وتقديراً لجهود الباحثين. ومع اقتراب استحقاقات دبلوماسية هامة بين البلدين، يظل السؤال قائماً: هل ستنتصر “واقعية التاريخ” التي ينادي بها ستورا، أم ستظل الملفات الكبرى رهينة للبروباغندا والسطحية؟












