تطرق تقرير لوكالة رويترز إلى التحول الجذري في السياسة المائية للمغرب، الذي انتقل من مواجهة جفاف قسري دام سبع سنوات إلى التعامل مع فيضانات استثنائية غيرت موازين القوى الهيدرولوجية. فبينما كان الهدف التاريخي لبناء السدود هو تأمين المياه للشرب والري، وضعت التساقطات الأخيرة التي فاقت متوسط التسعينيات بنسبة 35% هذه المنشآت أمام اختبار “الأمن الفيضي”، حيث تحول سد “وادي المخازن” العريق من وسيلة حماية إلى مصدر قلق وجودي للسكان المحيطين به.
سلط التقرير الضوء على الوضع الحرج في الشمال الغربي للمملكة، حيث تجاوز المخزون المائي لسد وادي المخازن سعة استيعابه الأصلية ليصل إلى 160%، أي ما يعادل مليار متر مكعب. هذا التدفق الهائل أجبر السلطات على اتخاذ قرار استباقي مؤلم بتفريغ السد بمعدلات وصلت إلى 552 متراً مكعباً في الثانية، ما أدى لغمر سهول شاسعة وإجلاء أكثر من 154 ألف شخص من مدينة القصر الكبير ومناطق سهل الغرب، في واحدة من أكبر عمليات النزوح الوقائي المسجلة بالمنطقة.
وفي مواجهة حجم الأضرار اللوجستية والزراعية، أعلنت الحكومة المغربية أربعة أقاليم (العرائش، القنيطرة، سيدي قاسم، وسيدي سليمان) مناطق منكوبة، مع رصد ميزانية استعجالية بقيمة 330 مليون دولار لدعم السكان وتعويض المتضررين. وتعكس هذه الخطوة إدراكاً رسمياً بأن البنية التحتية الحالية، رغم قوتها، باتت تواجه تحديات تفوق قدراتها التصميمية بسبب تصلب التربة جراء الجفاف الطويل، مما قلل من نفاذيتها وزاد من سرعة الجريان السطحي للمياه.
نقلت رويترز عن خبراء في المناخ والاقتصاد أن السدود لم تعد كافية وحدها كأداة وحيدة لإدارة المياه. فالواقع المناخي الجديد يفرض “مقاربة مزدوجة” تربط بين توفير الأمن المائي وتطوير أنظمة إنذار مبكر رقمية تتصل مباشرة بهواتف المواطنين قبل وقوع الخطر. كما شدد المحللون على ضرورة تحديث شبكات التصريف العمرانية التي لم تعد تستوعب حجم التدفقات الاستثنائية، ومعالجة مشكلة الترسبات التي تقلل السعة التخزينية الفعلية للسدود بمرور الزمن.
اختتم التقرير باستعراض خطط المغرب الطموحة لتنويع مصادر المياه، والتي تشمل التوسع في تحلية مياه البحر لتغطية 60% من احتياجات الشرب بحلول عام 2030، والربط بين الأحواض المائية عبر “الطريق السيار للماء”. ورغم أن الأمطار الأخيرة أنهت حقبة الجفاف القاسي، إلا أنها تركت درساً استراتيجياً مفاده أن إدارة “الفائض المائي” تتطلب مهارة وتخطيطاً لا يقل تعقيداً عن إدارة “الندرة”، في ظل عالم يشهد تقلبات مناخية لا تعترف بالأنماط التاريخية المسجلة.













