مع تصاعد قرع طبول الحرب في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم قاعدة دييغو غارسيا، الرابضة في أعماق المحيط الهندي، كأهم قطعة شطرنج في الاستراتيجية الأمريكية. لم يعد السؤال اليوم عن “مكان” القاعدة، بل عن “دورها” الحاسم؛ فهل تمثل هذه الجزيرة المرجانية حقاً “رأس الحربة” الذي تعول عليه واشنطن لكسر حصون طهران، أم أنها باتت نقطة ضعف استراتيجية تحت مجهر الصواريخ الإيرانية؟
القدرات الاستثنائية لقاعدة “دييغو غارسيا” : لماذا هي “رأس الحربة”؟
تكتسب دييغو غارسيا صفة “رأس الحربة” لثلاثة أسباب عسكرية لا تتوفر في أي قاعدة أمريكية أخرى بالمنطقة:
منصة القاذفات الشبحية الثقيلة: تُعد القاعدة المقر الوحيد المهيأ خارج الأراضي الأمريكية لاستقبال قاذفات B-2 Spirit و B-21 Raider. هذه الطائرات هي الوحيدة القادرة على حمل قنابل “MOP” العملاقة (المصممة لاختراق الجبال وتدمير منشآت مثل فوردو ونطنز)، مما يجعلها الأداة الوحيدة القادرة على تحقيق “نتائج حاسمة” في أي هجوم جوي.
الاستقلالية عن “فيتو” الجوار: على عكس القواعد الموجودة في دول الخليج التي قد ترفض استخدام أراضيها لشن هجمات هجومية خوفاً من الانتقام، تمنح دييغو غارسيا واشنطن “حرية الحركة المطلقة”. فهي لا تحتاج لإذن عبور جوي من أي دولة، مما يضمن عنصر المفاجأة ويجعلها المنطلق الأول لأي “موجة هجومية أولى”.
العمق الاستراتيجي واللوجستي: بوجود مرفأ طبيعي يستوعب حاملات طائرات ومستودعات وقود عملاقة، تعمل القاعدة كـ “خزان” إمداد لا ينضب، مما يضمن استمرارية العمليات العسكرية دون الاعتماد على خطوط إمداد قريبة من مسرح العمليات المباشر.
ما جعل القاعدة تتصدر واجهة الأحداث في فبراير 2026 ليس قوتها العسكرية فحسب، بل “الزلزال السياسي” الذي أحدثته لندن. فرغم أن القاعدة هي “رأس الحربة” عسكرياً، إلا أن الرفض البريطاني الأخير (حسب تقارير “ذا تايمز”) لمنح الإذن باستخدامها في ضربات هجومية ضد إيران، قد نزع “النصل” من هذا الرمح الأمريكي. هذا التوتر جعل من اسم القاعدة عنواناً للصراع بين “الضرورة العسكرية الأمريكية” و”المخاوف القانونية البريطانية”، خاصة بعد اتفاقية 2025 التي نقلت السيادة الاسمية لموريشيوس.
لم تكن إيران غائبة عن هذا المشهد، فقد جاء ردها بوضع دييغو غارسيا صراحة كـ “هدف مشروع”. وبذلك، أرسلت طهران رسالة مفادها أن “رأس الحربة” لم يعد بعيداً عن المنال؛ فإدراج قاعدة تبعد آلاف الكيلومترات ضمن بنك الأهداف الإيراني يعني أن المواجهة القادمة لن تلتزم بحدود الجغرافيا، وأن أي عدوان ينطلق من “المحيط” سيقابل برد يصل إلى “المحيط”.
تظل دييغو غارسيا “رأس الحربة” من الناحية التقنية والعملياتية، فهي المكان الوحيد الذي تخرج منه الطائرات القادرة على حسم المعركة الجوية. لكن، في ظل “الفيتو” البريطاني الراهن والتهديدات الإيرانية غير المسبوقة، تحولت هذه القاعدة من “سلاح سري” إلى “ساحة اشتباك” ديبلوماسي وعسكري تترقبها عيون العالم، ليتحدد من خلالها شكل الصراع القادم في الشرق الأوسط.













