شكل قانون الاستثمار الجديد في الجزائر، منذ تفعيله أواخر عام 2022، نقطة تحول جذرية في كيفية تعامل الدولة مع رأس المال، حيث انتقل النموذج الاقتصادي من منظومة “التراخيص المسبقة” إلى مبدأ “حرية الاستثمار” كحق مكرس قانوناً. فمن خلال إطلاق منصة المستثمر الرقمية، تم تجريد المسارات الإدارية من الطابع البيروقراطي، مما قلص مدة معالجة الملفات من شهور طويلة إلى أيام معدودة. هذا الانتقال الرقمي لم يكن مجرد إجراء تقني، بل ترجمته لغة الأرقام بتجاوز عتبة 19,000 مشروع مسجل حتى مطلع 2026، مما يعكس استعادة الثقة المفقودة بين الإدارة والمستثمر المحلي والأجنبي، ويؤسس لبيئة أعمال شفافة تعتمد على المعايير الاقتصادية البحتة بعيداً عن التدخلات البشرية.
أما على مستوى الضمانات، فقد كرس القانون الاستثمار الجديد مبدأ عدم الرجعية واستقرار النصوص التشريعية لفترة طويلة، وهو ما منح المستثمرين الرؤية الواضحة اللازمة لبناء استراتيجيات بعيدة المدى. وقد تجلى ذلك في استحداث أنظمة تحفيزية متدرجة تمنح أولوية قصوى للقطاعات الاستراتيجية مثل الصناعات التحويلية والمناجم والفلاحة الصحراوية، مع ربط الامتيازات الضريبية بمدى المساهمة في خلق الثروة وتوطين التكنولوجيا. إن هذا التوجه لا يستهدف فقط جلب رؤوس الأموال، بل يسعى إلى إدماج الجزائر بقوة في سلاسل القيمة العالمية، مما يحولها إلى قطب صناعي وتصديري رائد في منطقة حوض المتوسط والقارة الإفريقية.
فمن خلال استحداث الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار (AAPI) ومنصة المستثمر الرقمية، تم تقليص مدة معالجة الملفات من شهور طويلة إلى أيام معدودة. هذا الانتقال الرقمي لم يكن مجرد إجراء تقني، بل ترجمته لغة الأرقام بتجاوز عتبة 19,000 مشروع مسجل حتى مطلع 2026، مما يعكس استعادة الثقة المفقودة بين الإدارة والمستثمر المحلي والأجنبي.
و بفضل إلغاء القيود المكبلة (مثل قاعدة 51/49 في القطاعات غير الاستراتيجية) ومنح ضمانات بتحويل الأرباح، شهدت الجزائر تدفقات مالية وتقنية لافتة. حيث سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة نمواً مطرداً تجاوز 1.4 مليار دولار سنوياً، مدفوعة بشراكات استراتيجية مع دول مثل قطر، تركيا، والصين. ولم تعد الاستثمارات تقتصر على قطاع المحروقات فحسب، بل امتدت لمشاريع كبرى في الصناعات الغذائية (مشروع بلدنا) والنسيج والصلب، مما جعل الجزائر قطباً استثمارياً إقليمياً بامتياز.
تحليلياً، نجد أن قانون الاستثمار الجديد وجه بوصلة الرساميل نحو “القطاعات المنتجة”. فقد استحوذ قطاع الصناعة على حصة الأسد من المشاريع المسجلة، يليه قطاع الفلاحة والصناعات التحويلية.
هذا التوجه أدى إلى تقليص فاتورة الاستيراد بشكل ملحوظ، حيث بدأت المنتجات “المصنعة في الجزائر” تملأ رفوف الأسواق المحلية وتتوجه نحو التصدير الإفريقي، مستفيدة من الحوافز الضريبية التي تصل إلى 10 سنوات من الإعفاء في المناطق الجنوبية والهضاب العليا.
لا تقتصر نجاعة القانون على الأرقام المالية، بل تمتد لأثرها على سوق الشغل. فالمشاريع المهيكلة التي تم إطلاقها فرضت خلق آلاف مناصب العمل الدائمة، مما ساهم في خفض معدلات البطالة ورفع القدرة الشرائية. إن الوصول بالناتج المحلي الخام نحو عتبة 245 مليار دولار (تقديرات 2025/2026) لم يكن ليتحقق لولا الديناميكية التي خلقها هذا القانون، والذي وضع حجر الأساس لاقتصاد “ما بعد البترول” القائم على التنويع والإنتاجية.













