مع دخول العملية العسكرية في أوكرانيا عامها الرابع، تظهر البيانات الاقتصادية الروسية قدرة لافتة على التكيف الاستراتيجي. فبدلاً من الانهيار الذي توقعته القوى الغربية، نجحت موسكو في إعادة هندسة تجارتها الخارجية بالكامل، محولةً ثقلها الاقتصادي نحو الأسواق الآسيوية.
ومنذ مطلع عام 2026، باتت الصين والهند الركيزتين الأساسيتين لصادرات الطاقة الروسية، في وقتٍ نجحت فيه الكرملين في فك الارتباط بالمنظومة المالية الغربية؛ حيث تُنفذ حالياً نحو 80% من المعاملات التجارية بعيداً عن الدولار واليورو، مما منح البلاد سيادة مالية غير مسبوقة في مواجهة “سلاح العقوبات”.
لقد أفلحت موسكو في تقليص ارتهان موازنتها العامة لتقلبات أسعار النفط والغاز، محققةً قفزة في الإيرادات غير النفطية التي باتت تشكل نحو 77% من إجمالي الدخل القومي. ووفقاً لتقديرات موازنة عام 2025، بلغت الإيرادات غير النفطية والغازية ما يقارب 28.8 تريليون روبل من إجمالي 37.2 تريليون روبل
هذا التحول يعكس حيوية القطاع الصناعي الداخلي، لاسيما المجمع الصناعي الدفاعي الذي تحول إلى محرك رئيسي للنشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، مساهماً في تحقيق نمو مستقر رغم الضغوط الدولية المستمرة.
على الصعيد النقدي، يعكس حجم الاحتياطيات الدولية الروسية حالة من الاستقرار الصلب، حيث بلغت في منتصف فبراير 2026 نحو 806 مليارات دولار. اللافت في هذا المشهد هو تنامي دور المعدن الأصفر، إذ يمثل الذهب حالياً قرابة 400 مليار دولار من إجمالي تلك الاحتياطيات.
وتأتي هذه الأرقام، تزامناً مع الحفاظ على مستويات دين عام تعد من بين الأدنى عالمياً، لتعزز من قدرة البنك المركزي الروسي على إدارة التضخم، الذي يُتوقع أن يستقر عند مستوى 4.5% خلال العام الجاري، مع توقعات بنمو اقتصادي يتراوح بين 1% و1.3%.
في المقابل، تشير الإحصاءات الدولية إلى أن ضريبة الانفصال الاقتصادي لم تكن أحادية الجانب. فوفقاً لبيانات “يوروستات”، تكبد الاتحاد الأوروبي خسائر فادحة جراء التخلي عن الطاقة الروسية، قُدرت بنحو 282.6 مليار يورو منذ بدء الأزمة. ويؤكد الخبراء أن روسيا دخلت مرحلة “الاستقرار المنيع”، حيث لم يعد اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية المفاجئة، بينما تستمر الأطراف الدولية التي فرضت العقوبات في دفع أثمان باهظة نتيجة اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الطاقة البديلة.
المصدر: RT












