في خطوة وُصفت بأنها قفزة نوعية في تكنولوجيا الاستشعار الكمي، نجح فريق بحثي دولي بمساهمة جوهرية من الباحث الجزائري الدكتور يوسف بن أحمد باعمارة، في تحقيق اختراع فيزيائي غير مسبوق. يتمثل الإنجاز في تطويع ظاهرة “التشابك الكمومي” لجعل مجموعة من المجسات الذرية المتباعدة تعمل ككيان تنسيقي واحد، مما يرفع دقة القياس إلى مستويات تتجاوز الحدود التقليدية التي وضعها مبدأ الارتياب لهايزنبرغ.
يعتمد الابتكار على مقترح نظري طوره الدكتور يوسف بن أحمد باعمارة،، حيث تمكن الفريق في مختبر Kastler Brossel العريق بفرنسا من هندسة نظام كمومي على شريحة دقيقة. هذا النظام يسمح للمجسات الذرية بـ “التعاون” فيما بينها لتقليل العشوائية الكمومية الطبيعية. هذا التقدم التقني يفتح الباب أمام قياس كميات فيزيائية متناهية الصغر بدقة متناهية، وهو ما يعرف علمياً بـ Quantum Squeezing.
و تفتح هذه النتائج العلمية آفاقاً ثورية لتطبيقات تمتد من أعماق الفضاء إلى خلايا الدماغ، إذ لا تتوقف أهمية هذا الإنجاز عند الجانب النظري فحسب، بل تمتد لتشمل تطوير شبكات من الساعات الذرية فائقة التزامن الكفيلة بدراسة بنية الزمكان وتأثيرات الجاذبية بدقة غير مسبوقة، كما يتيح الابتكار في مجال الطب الحيوي صناعة مجسات حساسة جداً لرصد الحقول المغناطيسية الضعيفة الناتجة عن نشاط الدماغ البشري، مما قد يغير مفهومنا عن الأمراض العصبية، وصولاً إلى تعزيز دقة أنظمة المواقع العالمية (GPS) والملاحة الفضائية والأرضية عبر مجسات متطورة لا تتأثر بالتشويش الخارجي.
يوسف باعمارة: مسيرة من غرداية إلى السوربون
يعد الدكتور يوسف باعمارة، ابن ولاية غرداية، نموذجاً ساطعاً للكفاءة الجزائرية؛ فقد تلقى تعليمه الجامعي في جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين (USTHB) بالجزائر، قبل أن ينتقل لفرنسا لينال الدكتوراه من جامعة السوربون. وقد أنجز أبحاثه تحت إشراف قامات علمية كبرى مثل الفيزيائية الإيطالية أليس سيناترا، وفي بيئة بحثية رائدة ضمت أسماء لامعة في فيزياء الكم مثل فيليب غرانجييه.
و توج هذا المجهود العلمي بنشر النتائج في مجلة Science، وهي واحدة من أرقى المجلات العلمية عالمياً، مما يعد صك اعتراف دولي بأهمية المساهمة التي قدمها الدكتور باعمارة وفريقه في رسم ملامح “الثورة الكمومية الثانية”.
المصادر: Science العلمية, مختبر Kastler Brossel (LKB)











