شهدت الجزائر خلال سنة 2026 تصعيدًا لافتًا في وتيرة حجز المؤثرات العقلية، خاصة أقراص “بريغابالين”، في إطار العمليات المشتركة بين مختلف الأجهزة الأمنية. فقد أعلنت وزارة الدفاع الوطني عن ضبط أكثر من 1.3 مليون قرص مهلوس في أسبوع واحد من شهر فيفري، فيما كشفت قضية عالجتها محكمة سيدي أمحمد عن حجز ما يفوق 3.4 ملايين قرص من النوع ذاته، مع توقيف عدد من المتورطين وتفكيك شبكات تنشط في التهريب والتوزيع.
وتعكس هذه الأرقام تنامي نشاط الشبكات الإجرامية المتخصصة في الاتجار بالمؤثرات العقلية، مقابل تشديد الرقابة وتعزيز التنسيق الميداني والاستخباراتي من طرف السلطات. كما تبرز هذه العمليات حجم التحدي الأمني والصحي الذي تطرحه هذه الظاهرة، في ظل مساعٍ متواصلة للحد من انتشار هذه المواد وحماية الفئات الأكثر عرضة للاستهداف.
عقار “البريغابلين”… إرهاب كيميائي” عابر للحدود
لم يعد انتشار الأقراص المهلوسة في الجزائر مجرد ظاهرة انحراف اجتماعي عابرة، بل تحول إلى ما يصفه الخبراء الأمنيون بـ “الحرب الكيميائية المنظمة”. هذا التوصيف ينبع من الاستهداف الممنهج للفئات الشابة عبر إغراق السوق المحلية بمواد كيميائية مدمرة للجهاز العصبي، تتجاوز في خطورتها المخدرات التقليدية، حيث تهدف هذه الهجمة إلى ضرب القوة البشرية للبلاد وتعطيل قدرات جيل كامل، مما يجعلها قضية أمن قومي بامتياز.
يحتل عقار “البريغابلين” (المعروف تجارياً بـ ليريكا وشعبياً بالصاروخ) صدارة المشهد الإجرامي، حيث يمثل أكثر من 80% من إجمالي المحجوزات. هذا الدواء، الذي صُمم أصلاً لعلاج آلام الأعصاب، تحول إلى سلاح فتاك بعدما نجحت شبكات دولية في تهريبه بكميات ضخمة عبر الحدود، خاصة من المناطق الجنوبية والغربية. وتكمن خطورته في قدرته السريعة على إحداث التبعية النفسية والجسدية، وتسببه في نوبات عنف مفاجئة تسببت في ارتفاع معدلات الجريمة الغريبة عن المجتمع الجزائري.
و تظهر البيانات الرسمية لمصالح الأمن والجمارك تصاعداً مخيفاً في حجم المحجوزات؛ فبينما كانت الكميات المحجوزة في عام 2020 تتراوح بين 2 إلى 3 ملايين قرص، شهدت السنوات اللاحقة انفجاراً في الأرقام. ففي عام 2023 تم حجز أزيد من 13.5 مليون قرص، لتصل الذروة في عام 2025 بتسجيل حصيلة تاريخية قاربت 40 مليون قرص مهلوس. هذه القفزة، التي بلغت نسبتها في بعض الفترات أكثر من 149%، لا تعكس فقط يقظة الأجهزة الأمنية، بل تكشف أيضاً عن حجم التهديد الهائل الذي يتربص بالحدود.
أمام هذا “التسونامي الكيميائي”، سارعت الدولة الجزائرية إلى تشديد ترسانتها القانونية عبر القانون 23-05، الذي رفع العقوبات على المتاجرين بالمهلوسات إلى 30 سنة سجناً، وقد تصل إلى المؤبد في حال تورط موظفين أو جماعات إجرامية منظمة. كما تم تفعيل نظام الرقابة الرقمية على الوصفات الطبية لحماية الصيادلة ومنع تسريب الأدوية من القنوات الرسمية. ومع ذلك، يجمع المختصون على أن الحل الأمني وحده لا يكفي، بل يتطلب الأمر تعبئة مجتمعية شاملة تشارك فيها الأسرة والمدرسة والمساجد لقطع الطريق أمام هذا الغزو الصامت.











