شهدت الساحة السياسية والإعلامية في فرنسا مؤخراً موجة جديدة من الجدل، وضعت الشخصية الفكرية والدينية البارزة، غالب بن الشيخ، في قلب العاصفة. جاء ذلك خلال جلسة استماع برلمانية بثت تفاصيلها قناة “لوفيغارو”، حيث وُجهت انتقادات حادة للخط التحريري لإذاعة “فرانس كولتور” (France Culture) العمومية، متهمة إياها بتقديم “منصة مفتوحة” لمحتوى ديني يثير ريبة بعض الأوساط السياسية.
غالب بن الشيخ هو مفكر فرنسي من أصل جزائري، وُلد في مدينة جدة عام 1960. هو نجل الشيخ الراحل عباس بن الشيخ الحسين، الذي كان عميداً لمسجد باريس الكبير. يحمل بن الشيخ خلفية أكاديمية ، فهو دكتور في العلوم (الفيزياء والطب) ومختص في الدراسات الإسلامية. يشغل حالياً منصب رئيس “مؤسسة إسلام فرنسا” (Fondation de l’Islam de France)، وهي هيئة علمانية تهدف إلى تعريف المجتمع الفرنسي بالإسلام وتاريخه. عُرف بن الشيخ بمواقفه المدافعة عن “إسلام تنويري” يتوافق مع قيم الجمهورية الفرنسية والعلمانية، وهو وجه دائم في الإعلام الفرنسي من خلال برنامجه الإذاعي “أسئلة الإسلام”.
و تركز الهجوم البرلماني على دور بن الشيخ كمنتج للبرامج الدينية في الخدمة العمومية، حيث اتهمه بعض النواب بالقرب من تيار “الإخوان المسلمون”، مستشهدين بمشاركاته في مؤتمرات معينة. وانتقد المعارضون تخصيص مئات الساعات من البث لمواضيع مثل “الصلوات الخمس” أو مناقشة “العنصرية في فرنسا”، معتبرين أن هذه البرامج تبتعد عن الحياد المطلوب في الإعلام الممول من ضرائب المواطنين، وتساهم في تعزيز ما وصفوه بـ”الأجندات الانفصالية”.
في المقابل، جاء رد مسؤولة الإعلام العمومي حازماً، حيث أوضحت أن وجود برامج دينية على شاشات وإذاعات الدولة ليس اختياراً شخصياً بل هو واجب قانوني يفرضه دفتر الشروط. وأكدت أن الإذاعة تمنح مساحات متساوية لمختلف الأديان، مشيرة إلى أن التغطية الخاصة بالكاثوليكية (مثل قداس الأحد وأخبار الفاتيكان) لا تقل أهمية أو حجماً عن البرامج الإسلامية. وشددت على أن الهدف هو معالجة “الظاهرة الدينية” كجزء من النسيج الاجتماعي والثقافي الفرنسي المعاصر.
يعكس هذا الاستهداف لغالب بن الشيخ حالة من الحساسية المفرطة المنتزايدة في الداخل الفرنسي تجاه الشخصيات ذات الأصول الجزائرية التي تتبوأ مناصب فكرية مؤثرة. فرغم خطابه الإصلاحي الذي يهاجم غالباً التشدد، يجد بن الشيخ نفسه محاصراً بين يمين فرنسي يراه “حصان طروادة” للإسلام السياسي، وبين تيارات محافظة تراه “مفرطاً في علمانيته”. تبقى هذه القضية مفتوحة على تساؤلات أعمق حول حدود الحرية الدينية في الفضاء العام ومستقبل النخب الجزائرية في مراكز صنع القرار الثقافي في فرنسا.












