أحدثت عملية المداهمة المفاجئة التي نفذتها عناصر الشرطة القضائية والمدعية العامة المالية (PNF) لمقر بنك “روتشيلد” العريق في قلب باريس زلزالاً في الأوساط المالية والسياسية، حيث تأتي هذه الخطوة التصعيدية في إطار توسيع التحقيقات الدولية حول الشبكة المالية المعقدة التي أدارها المجرم الجنسي الراحل جيفري إبستين.
وتتركز الشبهات الحالية حول دور بنك روتشيلد في تسهيل عمليات غسيل أموال وإدارة أصول ضخمة عبر حسابات خارجية “أوفشور” مرتبطة بشركات وهمية كانت تُستخدم لتمويل الأنشطة الإجرامية وتأمين صفقات تسوية سرية لضحايا الابتزاز الجنسي، وهو ما يضع نظام الامتثال والرقابة داخل واحدة من أقوى المؤسسات المالية في العالم تحت مجهر المساءلة الجنائية المباشرة، وسط تقارير تشير إلى وجود مراسلات وسجلات بنكية مخفية تعود للفترة ما بين 2012 و2019 لم يتم الكشف عنها للسلطات الأمريكية أو الفرنسية سابقاً.
وتستند التحقيقات الجارية، التي تتم بتنسيق عالي المستوى مع وزارة العدل الأمريكية، إلى معطيات استخباراتية وأوراق مسربة من مذكرات سكرتارية إبستين الخاصة، والتي كشفت عن لقاءات سرية جمعت مسؤولين رفيعي المستوى من البنك بإبستين في شقته الفاخرة بجادة “فوش” بباريس.
هذه المداهمة لا تقتصر أبعادها على الجانب الجنائي الصرف، بل تمتد لتلمس مفاصل النفوذ السياسي في فرنسا، نظراً للصلات الوثيقة التي تربط بنك روتشيلد بالنخبة الحاكمة، وهو ما جعل القضية تتحول إلى ملف رأي عام يختبر مدى جدية القضاء الفرنسي في مواجهة تضارب المصالح والحماية السياسية التي قد تحظى بها المؤسسات المالية الكبرى.
وفي مقابل هذا التصعيد القضائي، سارع بنك “روتشيلد” لإصدار بيان مقتضب يؤكد فيه تعاونه الكامل مع المحققين، نافياً علمه بأي أنشطة إجرامية ومشيداً بصرامة إجراءاته الداخلية.

