كشف العدوان الأخير على إيران والزخم الإعلامي الذي صاحبه عن وجه آخر من وجوه الحروب الحديثة، حيث لم تكن الصواريخ والمسيرات هي السلاح الوحيد، بل كانت “البروباغندا” الاستعمارية وحملات التضليل هي رأس الحربة في محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي وكسر إرادة الصمود. لقد أثبتت هذه الأحداث أن مفهوم الدفاع لم يعد مقتصرًا على المنظومات الدفاعية الجوية فحسب، بل صار يتطلب وبشكل ملح ما يمكن تسميته بـ “سياسة الردع الإعلامي”.
الردع الإعلامي: من الدفاع السلبي إلى الهجوم الاستباقي
إن سياسة الردع الإعلامي تقوم على فلسفة واضحة: عدم انتظار وصول الحرب النفسية والشائعات إلى المجتمعات المحلية، بل محاربتها في “مصدرها” وتفكيك رواية القوى الاستعمارية قبل انتشارها. فالردع هنا يعني امتلاك الأدوات التقنية والخطابية القادرة على كشف التزييف في مهده، مما يجعل تكلفة الكذب الإعلامي باهظة على الطرف المعتدي.
الدول التي تعتمد على “رد الفعل” غالباً ما تجد نفسها في موقف دفاعي ضعيف، تحاول نفي الشائعات بعد أن تكون قد فعلت فعلها في وعي المواطن. أما “الردع” فيقتضي بناء منظومة إعلامية تمتلك زمام المبادرة، وتخاطب الرأي العام العالمي بلغات متعددة، وتواجه البروباغندا بالحقائق الموثقة والسرعة الفائقة في نقل الخبر.
الجزائر: في قلب الاستهداف وضرورة التحصين
ليست الجزائر ببعيدة عن هذه التحديات، بل هي في صميمها. فالمواقف السيادية للدولة الجزائرية، خاصة في القضايا العادلة ودعم حركات التحرر، جعلتها عرضة لهجمات إعلامية منظمة تهدف إلى تشويه المنجزات الوطنية وإثارة النعرات.
محاربة الشائعات في منبعها: إن التجربة الجزائرية في مواجهة الحملات المغرضة تفرض اليوم الانتقال إلى مرحلة “الهجوم الإعلامي المضاد”. فالجزائر تمتلك رصيداً تاريخياً ودبلوماسياً يسمح لها ببناء سردية قوية تفرغ البروباغندا الاستعمارية من محتواها قبل أن تعبر الحدود.
السيادة الرقمية كمنصة للردع: لا يمكن تحقيق ردع إعلامي حقيقي دون تحكم كامل في الفضاء الرقمي. إن بناء منصات إعلامية قوية قادرة على الوصول إلى الجمهور الدولي بفاعلية هو الكفيل بمواجهة “المنابر” التي تُستخدم كأدوات لتمرير الأجندات التخريبية.
الوعي الشعبي كخط دفاع أخير: الردع الإعلامي لا يكتمل إلا بوعي مجتمعي يحصن الجبهة الداخلية. إن ربط المواطن بالمعلومة الصحيحة والصادقة من مصدرها الوطني يقطع الطريق أمام “الحروب النفسية” التي تحاول زرع الشك والانهزامية.
إن امتلاك “قوة ناعمة” إعلامية لا يقل أهمية عن امتلاك القوة العسكرية. ففي عصر المعلومات، الدول التي لا تروي قصتها بنفسها، سيقوم أعداؤها بروايتها بطريقة تخدم مصالحهم. والجزائر، بمكانتها الاستراتيجية، مدعوة لتعزيز منظومتها الإعلامية لتكون “رادعاً” حقيقياً يحمي عقول أبنائها ويحفظ سيادتها من سموم البروباغندا الحديثة التي تولد في مخابر الاستعمار الجديد.

