ملحمة جبل كسال.. المعركة التي كسرت غطرسة جنرالات فرنسا ؟

لم تكن معركة جبل كسال (17-18 أبريل 1958) مجرد اشتباك عسكري عابر في سجلات ثورة التحريرية الجزائرية  بل كانت “زلزالاً تكتيكياً” ضرب كبرياء المؤسسة العسكرية الفرنسية في قلب الجنوب الوهراني.

في تلك الأيام الربيعية، لم يواجه جنرالات فرنسا مجرد “متمردين” كما كانوا يروجون، بل واجهوا جيشاً نظامياً بالعزيمة، وعبقرياً بالاستراتيجية، حوّل تضاريس البيض الوعرة إلى فخ مميت سقطت فيه أوهام “الجزائر الفرنسية”.

دخلت فرنسا معركة جبل كسال وهي منتشية بسياسة “المحتشدات”؛ حيث قامت قبل عام من المعركة بإخلاء قرية ستيتن من سكانها، ظناً من جنرالاتها أن تجويع الثورة وعزلها عن قاعدتها الشعبية سيؤدي حتماً إلى خنقها. كانت الغطرسة الفرنسية تعتقد أن مراقبة القرية الخالية بالدبابات والمدفعية كفيلة بمنع أي تحرك لجيش التحرير.

لكن الصدمة كانت بانتظارهم مساء 17 أبريل، حين باغتت كتيبة البطل قطاف أحمد القوات الفرنسية في عقر تمركزها بساحة القرية. تلك الرصاصات الأولى لم تقتل جنوداً فحسب، بل قتلت الشعور بالأمان لدى قادة الثكنات في بوعلام والبيض وآفلو.

تكتيك “كاف زعطوط”: حيث لا تنفع الطائرات

عندما قرر القائدان ديداني أحمد (لزرق) وقطاف أحمد التمركز في موقع “كاف زعطوط” بقلب جبل كسال، كانا يدركان أن جنرالات فرنسا سيهرعون لـ”غسل عار” هزيمة ستيتن.

  • في صبيحة 18 أبريل، حشدت فرنسا ترسانة مرعبة:
  • مدافع الهاون التي لم تتوقف عن زلزلة الجبل من قرية الحوض.
  • سلاح الجو الذي أمطر القمم بالحمم لتمهيد الطريق للمشاة.

وهنا تجلت العبقرية العسكرية لجيش التحرير؛ فبدلاً من الانسحاب أمام القصف الممنهج، طبق المجاهدون مبدأ “الالتحام لإلغاء الفارق”. انتظروا وصول قوات المشاة الفرنسية إلى مسافة قريبة جداً، ليتحول الجبل إلى ساحة حرب شوارع في بيئة صخرية، حيث فقد الطيران الفرنسي فاعليته خوفاً من قصف جنوده، واضطر الجنرالات لمواجهة المجاهدين “وجهاً لوجه”.

انتهى النهار الطويل بجبل كسال على وقع خيبة فرنسية ثقيلة. 75 قتيلاً في صفوف جيش الاحتلال، وتدمير آليات عسكرية كانت توصف بأنها “فخر الصناعة الحربية”، والأهم من ذلك، نجاح المجاهدين في كسر الحصار والانسحاب المنظم دون أن يتمكن العدو من تحقيق هدف “الإبادة” الذي خطط له جنرالاته.

صوت الذاكرة لا يموت

اليوم، ومع صدور كتاب “صوت مجاهد من جبال الجنوب الوهراني” للإعلامي خليل بن الدين، والذي يوثق شهادة المجاهد خليل محمد، ندرك أن معركة كسال لم تنتهِ بانسحاب الجنود، بل بقيت حية كدليل تاريخي على أن “الغطرسة” تسقط دائماً أمام الإرادة.

إن جنرالات فرنسا الذين خططوا لمعركة كسال، لم يدركوا أنهم يواجهون جيلاً آمن بأن الموت من أجل الوطن هو أقصر الطرق نحو الخلود. وظل جبل كسال شامخاً، يروي للأجيال كيف تحطمت كبرياء “القوة الرابعة في العالم” تحت أقدام رجال لا يملكون سوى بنادقهم.. وإيمانهم.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً