منذ إقراره من طرف اليونسكو سنة 1995 تحوّل يوم 23 أفريل إلى مناسبة سنوية للإحتفال باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، حيث ظلّ هذا الموعد الثقافي مناسبة للاحتفاء بالكتاب، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم التحديات التي تواجه فعل القراءة، خاصة في المجتمعات العربية.
تشير تقارير دولية، على غرار دراسات معهد رويترز لدراسة الصحافة، إلى تحولات عميقة في عادات استهلاك المحتوى، حيث يميل جيل الشباب أو ما يعرف بجيل Z إلى المنصات الرقمية والمحتوى البصري السريع، ما يعكس هيمنة “صحافة المنصات” وتراجع المنصات التقليدية، وتبرز الدراسات توجه الجمهور بشكل متزايد نحو منصات التواصل الاجتماعي لمعرفة الأخبار، مبتعدين عن المواقع الإخبارية التقليدية، إضافة إلى عزوف الشباب عن القراءة التقليدية، إذ يفضل جيل الشباب استسقاء الأخبار من الفيديو أو المحتوى المخصّص على المنصات الاجتماعية، بدلاً من قراءة المقالات الطويلة.
الأمر ذاته ينسحب على واقع القراءة وكيفية التعاطي مع الكتاب، حيث يجد الكتاب التقليدي نفسه في غمار منافسة شرسة وغير متكافئة خاصة مع ما يتيحه التسارع التكنولوجي من وسائل وبدائل.
في هذا السياق، لم تعد المشكلة مرتبطة بندرة الكتب، بل بقدرتها على جذب انتباه قارئ اعتاد الإيقاع السريع، فيبدو جليا ذلك العزوف عن القراءة والاهتمام بالكتاب، ما يفتح بابا واسعا لاتهامات لجيل الشباب بعدم القراءة و”نبذ” الكتاب، فيتساءل الكثيرون: لماذا هذا الجيل لا يقرأ، في قالب أقرب إلى الاتهام و المحاكمة منه إلى سؤال معرفي وجب البحث عن إجابات شافية لفك طلاسمه، وكأن جيلا كاملا قد قرر القطيعة مع الكتاب. غير أن هذا الطرح في جوهره، يعكس سوء قراءة للواقع الحالي، وأزمة في زاوية النظر، فاتهام فئة الشباب بالعزوف عن القراءة يعتبر تجاهلا لتحولات عميقة في طبيعة المعرفة ووسائطها.
منذ عقود، ارتبط فعل القراءة بالكتاب الورقي، الذي اكتسب في المخيال الثقافي مكانة شبه مقدسة، إلا أن هذا التصور بدأ يتآكل مع تسارع التحولات الرقمية، خاصة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وانتشار الهواتف الذكية، التي جعلت الوصول إلى المحتوى أكثر سهولة وتنوعًا خاصة مع توفر تقنيات الكتاب الإكتروني، والكتاب الصوتي وحتى روايات الجيب (roman poche)
في هذا السياق، لا تبدو المشكلة في غياب القراءة، بل في تغيّر شكلها، فالأجيال الجديدة لا ترفض المعرفة، لكنها تعيد تشكيل علاقتها بها وفق إيقاع سريع ووسائط متعددة، يقتضيها التحول التكنولوجي السريع الذي يشهده العالم، وهو ما يخلق فجوة في الفهم بينها وبين الخطاب الثقافي التقليدي، الذي لا يزال يقيس القراءة بمعايير قديمة ويختزلها في الكتاب فقط.
في الجزائر، تتقاطع هذه التحولات مع تحديات إضافية، من بينها تراجع الفضاءات الثقافية وغلق بعض المكتبات، ما يحدّ من الوصول إلى الكتاب الورقي، ويعزز التحول نحو البدائل الرقمية. وهو ما يجعل الحديث عن “أزمة قراءة” توصيفا ناقصا، إذا لم يُؤخذ بعين الاعتبار ذلك التحول البنيوي.
رهان المرحلة لم يعد في الدفاع عن شكل واحد للقراءة، بل في فهم كيف يقرأ هذا الجيل، وكيف يمكن مرافقة هذا التحول بدل مقاومته، لأن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا لا يقرأ الشباب؟ بل: ماذا يقرأون، وكيف؟

