منجم غار جبيلات…محطة تاريخية في مسار الإقتصاد الجزائري و الإفريقي

شهدت سنة 2026 في الجزائر محطة مفصلية في تاريخها الاقتصادي مع دخول مشروع “غار جبيلات” مراحل استغلال متقدمة، وهو المشروع الذي يمثل العمود الفقري لقطاع المناجم الوطني. وتعتبر هذه المنشأة الاستراتيجية بولاية تندوف من أضخم احتياطيات الحديد في العالم باحتياط يقدر بـ 3.5 مليار طن، مما يجعلها قاطرة حقيقية للصناعات الثقيلة والتحويلية في البلاد.

يمثل مشروع غار جبيلات وتوسعة شبكة السكك الحديدية المرتبطة به محطة جيوستراتيجية تتجاوز أبعادها الحدود الوطنية لتصبح شرياناً حيوياً يربط عمق القارة الإفريقية بالبحر الأبيض المتوسط. فمن خلال ربط المنجم الواقع على الحدود الموريتانية بموانئ الشمال، تضع الجزائر حجر الأساس لممر اقتصادي دولي يفك العزلة عن دول غرب إفريقيا والدول الحبيسة، مما يسهل حركة التبادل التجاري البيني ويفتح آفاقاً جديدة لوصول المنتجات الإفريقية إلى الأسواق الأوروبية والعالمية عبر البوابة الجزائرية.

وتتعزز الأهمية الإقليمية لهذا المسار في كونه يجسد التكامل الاقتصادي القاري، حيث يساهم في ربط منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بممرات لوجستية عصرية تضمن تقليص تكاليف النقل والزمن. وبفضل هذا الترابط، يتحول الجنوب الغربي للجزائر إلى قطب إقليمي للخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية، مما يعزز الاستقرار التنموي في منطقة الساحل ويحولها من مناطق ظل جغرافية إلى محاور حيوية في خارطة التجارة الدولية، مكرساً بذلك دور الجزائر كمحرك أساسي للتنمية المستدامة في القارة السمراء.

وانتقل  مشروع استغلال منجم “غار جبيلات” بولاية تندوف من مجرد مشروع مؤجل لعقود إلى واقع ملموس يجسد طموح البلاد في تنويع صادراتها خارج قطاع المحروقات. ويُصنف المنجم كواحد من أكبر احتياطيات الحديد في العالم، مما يمنح الجزائر ميزة استراتيجية تضمن تموين المصانع الوطنية وتصدير الفائض نحو الأسواق الدولية.

تستند الأهمية القصوى لهذا المشروع إلى أرقام ضخمة تعكس حجم الرهان الاقتصادي، حيث تقدر الاحتياطيات الإجمالية للمنجم بنحو 3.5 مليار طن من خام الحديد، منها أكثر من 1.7 مليار طن قابلة للاستغلال في المرحلة الحالية. وتهدف الخطة الاستراتيجية للدولة إلى استخراج ما بين 2 إلى 3 ملايين طن من خام الحديد سنوياً في المرحلة الأولى (2022-2025)، على أن ترتفع هذه القدرة تدريجياً لتصل إلى حدود 40 إلى 50 مليون طن سنوياً بحلول عام 2040.

وعلى صعيد العوائد المالية والتشغيل، يُتوقع أن يساهم المشروع في توفير ما يقارب 2 مليار دولار سنوياً كانت تُوجه لاستيراد المواد الأولية الحديدية، بالإضافة إلى خلق حركية اقتصادية كبرى في الجنوب الغربي. ويوفر المشروع في مراحل تطويره المختلفة آلاف مناصب الشغل، حيث يُرتقب توظيف نحو 3000 عامل في المرحلة الأولى، لتصل فرص العمل المباشرة وغير المباشرة إلى قرابة 25 ألف منصب عند التشغيل الكامل للمركبات الصناعية المرتبطة بالمنجم.

ولتأمين الربط اللوجستي لهذا القطب التعديني، تم ربط المنجم الواقع أقصى الجنوب الغربي للجزائر على الحدود مع موريتانيا بخط سكة حديدية يصل غار جبيلات بمدينة بشار على مسافة تزيد عن 950 كيلومتراً، وهو الشريان الذي يسمح بنقل الخامات نحو مركب بلارة بجيجل ومركب الحجار بعنابة، بالإضافة إلى مصانع الحديد بوهران. ويُنتظر أن يتحول هذا الخط إلى محور تنموي متكامل يفك العزلة عن المناطق الحدودية ويحفز النشاط التجاري مع دول الجوار.

إن استكمال حلقة الإنتاج ببدء معالجة الحديد الخام وتثمين الفوسفات والمعادن الأخرى، يضع الجزائر على أعتاب مرحلة صناعية جديدة، حيث يسهم “غار جبيلات” في رفع مساهمة قطاع المناجم في الناتج المحلي الإجمالي بشكل محسوس، ويحول البلاد من مستورد للمواد الأولية إلى فاعل أساسي في سوق الصلب والحديد العالمية، مؤمناً بذلك قاعدة صلبة للصناعات الميكانيكية والإنشائية الوطنية.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً