تختزل الذكرى الستون لتأميم المناجم في الجزائر مسار أمةٍ انتقلت من “استباحة الثروة” إلى “صناعة السيادة”؛ فمنذ ذلك السادس من ماي 1966، لم تكن الخطوة مجرد قرار سياسي لاسترجاع 11 منجماً من قبضة الشركات الأجنبية، بل كانت إعلاناً صريحاً عن ميلاد “عقد اجتماعي واقتصادي” جديد، وضع حداً لزمنٍ كان فيه باطن الأرض الجزائرية مجرد احتياطي خام يغذي المصانع خلف البحار بينما يرزح أصحابه تحت طائلة التبعية.
واليوم، وبعد ستة عقود، تكتسي هذه الذكرى حلةً عصرية تتجاوز الرمزية التاريخية لتستقر في قلب “الواقعية الاقتصادية”؛ حيث تشهد الأرض التي حُررت بالأمس ميلاد مشاريع عملاقة كـ “غار جبيلات” و”بلاد الحدبة”، لتتحول تلك المعادن من مجرد صخور صماء إلى ركائز متينة في هيكل اقتصاد وطني متحرر من ارتهان المحروقات، ومبني على رؤية استشرافية تجعل من “استرداد الباطن” وقوداً لمعركة البناء والتمكين في جزائر 2026.
و في هذا السياق تحيي الجزائر غداً الأربعاء الذكرى الستين لتأميم قطاع المناجم في ظل حركية استثمارية غير مسبوقة، تهدف إلى تحويل الثروات الباطنية إلى قاطرة حقيقية لتنويع الاقتصاد الوطني، وتجسيداً للسيادة الكاملة على الموارد الطبيعية التي استرجعتها الدولة في 6 ماي 1966.
وكان قرار التأميم الذي اتخذه الرئيس الراحل هواري بومدين قد شمل 11 منجماً استراتيجياً كانت تستغلها شركات أجنبية، ليمثل ذلك نقطة تحول حاسمة أدت لاحقاً إلى تأسيس الشركة الوطنية للبحث والاستغلال المنجمي “سونارام” في 1967، واضعةً حداً لنموذج استعماري كان يوجه الموارد الخام لخدمة المصالح الخارجية.
وتأتي هذه الذكرى في وقت يشهد فيه القطاع نهضة جديدة تحت قيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، تجسدت في إطلاق مشاريع هيكلية كبرى، على رأسها منجم غارا جبيلات للحديد الذي تدعم بخط سكة حديدية استراتيجي يمتد على مسافة 950 كلم ليربط تندوف ببشار، وهو الإنجاز الذي تحقق في ظرف قياسي لم يتجاوز 20 شهراً.
كما يشهد القطاع تقدماً ملموساً في مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة في تبسة، والذي من المتوقع أن يدخل مرحلة التصدير بحلول مارس 2027 بقدرة إنتاجية تصل إلى 10 ملايين طن سنوياً، بالتوازي مع تطوير منجم الزنك والرصاص بتالة حمزة-أميزور ببجاية، الذي سيساهم في خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة.
وترافق هذه المشاريع الميدانية إصلاحات تشريعية ومؤسساتية عميقة، شملت استحداث وزارة مخصصة للقطاع واعتماد قانون جديد للمناجم لتعزيز جاذبية الاستثمار، بالإضافة إلى نمو متسارع في الصناعات التحويلية للمواد المنجمية مثل الرخام وكربونات الكالسيوم، سعياً لتمكين الجزائر من تبوأ مكانة رائدة في السوق الدولية للموارد المنجمية.
المصدر: واج + الصحفي

