أعلن قصر الإليزيه رسمياً استئناف السفير الفرنسي لنشاطه الدبلوماسي في الجزائر لمتابعة ملفات التعاون الثنائي والقنصلي، وذلك بعد نحو عامين من التوترات المتصاعدة التي جمدت التمثيل الرفيع بين البلدين.
و شهدت العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال العامين الماضيين سلسلة من الأزمات الحادة التي أدت إلى قطيعة دبلوماسية؛ بدأت شرارتها في 30 يولي 2024 حين سحبت الجزائر سفيرها من باريس بـ”أثر فوري” احتجاجاً على الموقف الفرنسي من قضية الصحراء الغربية.
وتفاقم الوضع في أبريل 2025 إثر أزمة أمنية وإدارية أدت إلى طرد الجزائر لـ 12 موظفاً دبلوماسياً فرنسياً، وهو ما ردت عليه باريس في 15 أبريل من العام ذاته باستدعاء سفيرها للتشاور وطرد عدد مماثل من الدبلوماسيين الجزائريين، ليبقى منصب السفير شاغراً حتى عودته اليوم في خطوة تهدف لترميم جسور الحوار المتعثرة.
وفي هذا السياق، كشف بيان الإليزيه الصادر اليوم الجمعة 8 ماي 2026، أن الرئيس إيمانويل ماكرون كلف الوزيرة المنتدبة المكلفة بالمحاربين القدامى، أليس روفو، بالتوجه إلى الجزائر العاصمة في خطوة تحمل دلالات رمزية عميقة، حيث تزامنت العودة مع إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1945.
وجاء في البيان أن الوزيرة روفو ستنتقل إلى مدينة سطيف لإحياء ذكرى تلك الأحداث المأساوية، مشيراً بلهجة غير مسبوقة إلى التناقض التاريخي آنذاك؛ حيث أوضح أنه “بينما كان الفرنسيون يحتفلون بتحررهم، استمر قمع المظاهرات في مدن سطيف وقالمة وخراطة لعدة أسابيع مخلفاً آلاف الضحايا”. وشدد الإليزيه على أن هذه الأحداث تمثل “حقيقة تاريخنا”، معتبراً أن مواجهتها بوضوح يمثل “شرفاً لفرنسا” وسبيلاً لبناء علاقات واثقة.
وفي أهم تطور سياسي، أكد البيان أن سفير فرنسا لدى الجزائر سيرافق الوزيرة في هذه الزيارة لاستئناف أنشطته الدبلوماسية رسمياً، حيث سيعمل على كافة جوانب التعاون الثنائي بروح من “المعاملة بالمثل”، مع تحديد أولوية قصوى لمتابعة ملف المواطن الفرنسي كريستوف غليز وتأمين عودته إلى بلاده.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أشار البيان إلى أن الوزيرة ستنقل للسلطات الجزائرية تقدير الرئاسة الفرنسية لاستئناف التعاون القنصلي، مع الإعراب عن رغبة باريس في تعزيز النتائج المحققة واستعادة حوار فعال يحترم المصلحة الوطنية لكل طرف. واختتمت الرئاسة الفرنسية بيانها بالتأكيد على أن هذه “البصيرة” في التعامل مع ملف الذاكرة هي المفتاح لنسج علاقات واعدة للمستقبل، لما فيه مصلحة الشعبين الفرنسي والجزائري.
و للتذكير تُعد مجازر 8 ماي 1945 واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية في حق الشعب الجزائري، فبينما كان العالم يحتفل بانتصار الحلفاء على النازية ونهاية الحرب العالمية الثانية، خرج آلاف الجزائريين في مسيرات سلمية بمدن سطيف، وقالمة، وخراطة للمطالبة بالحرية والوفاء بوعود فرنسا بمنح الاستقلال. واجهت القوات الاستعمارية والميليشيات الأوروبية هذه المظاهرات بوحشية منقطعة النظير، حيث استُخدمت كافة أنواع الأسلحة في حرب إبادة شاملة أسفرت عن ارتقاء أكثر من 45 ألف شهيد. تظل هذه المحطة السوداء في تاريخ الاستعمار الفرنسي نقطة تحول حاسمة في مسار الحركة الوطنية، إذ رسخت القناعة لدى الجزائريين بأن “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”، مما مهد الطريق لاندلاع الثورة التحريرية الكبرى في نوفمبر 1954.

