حظر تصدير “حمض الكبريتيك” …هل تهز بكين عرش الصناعة والغذاء العالمي ؟

دخل قرار اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين بحظر صادرات حمض الكبريتيك حيّز التنفيذ الرسمي ابتداءً من 1 ماي 2026، ويمتد مفعوله حتى نهاية العام الجاري كخطوة أولية لحماية الأمن القومي الغذائي والصناعي الصيني.

وجاء هذا القرار الصيني حظر تصدير “حمض الكبريتيك” مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط والتي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز أمام السفن التجارية منذ أواخر فبراير الماضي، مما تسبب في أزمة كبريت غير مسبوقة عالمياً كون المنطقة تنتج ثلث الكبريت في العالم ويمر عبر مضيقها نصف تجارته المنقولة بحراً، وبما أن الصين تستورد تاريخياً أكثر من نصف احتياجاتها من الكبريت الخام وتعتمد في نصف هذه الواردات على الخليج، فقد تسبب إغلاق المضيق في نقص حاد للمواد الخام داخل المصانع الصينية، مما دفع بكين لاحتجاز كل إنتاجها من الحمض محلياً لحماية مصانعها.

لم يكن القرار الصيني المفاجئ وليد اللحظة بل سبقه تمهيد تدريجي خنق الأسواق في الثلث الأول من عام 2026، حيث فرضت بكين في الفترة من يناير إلى أبريل نظام حصص تصديرية صارم حدد سقف الصادرات بـ 700,000 طن فقط، بانخفاض بلغت نسبته 46% مقارنة بـ 1.3 مليون طن تم تصديرها في نفس الفترة من عام 2025، قبل أن يتحول التقييد في الأول من مايو إلى حظر تصدير شامل بنسبة 100% لحمض الكبريتيك الناتج كمنتج ثانوي من صهر المعادن، مع استثناء وحيد وضيق جداً للحمض فائق النقاء المخصص لصناعة الرقائق الإلكترونية الدقيقة تحت رقابة حكومية مشددة.

الفجوة الكارثية المترتبة على شح الإمدادات بالأسواق العالمية

تُظهر البيانات والتقارير الصادرة عن الهيئات الاستشارية الكبرى حجماً مرعباً للآثار المترتبة على هذا القرار، حيث تسبب في اختفاء 4.6 مليون طن من السوق العالمي فوراً بناءً على حجم الصادرات القياسي للصين في العام الماضي والتي تسيطر على 40% من الإنتاج العالمي.

هذا القرار يترك العالم أمام عجز صافي يبلغ 2.8 مليون طن بعد احتساب الزيادات القصوى في خطوط إنتاج الدول البديلة كاليابان وكوريا الجنوبية والهند والتي لن تستطيع ضخ أكثر من 500,000 طن إضافية، مما أدى إلى انفجار الأسعار محلياً وعالمياً، ففي السوق الصيني الداخلي قفزت أسعار الكبريت الخام بنسبة 65.5% لتسجل 6,376 يوان صيني للطن، وعالمياً ارتفعت العقود الفورية لاستيراد الحمض في تشيلي بنسبة 44% في غضون أسابيع قليلة ترقباً لقرار الأول من مايو.

القطاعات الاستراتيجية المتضررة وشبح الركود الصناعي والغذائي

يُصنف حمض الكبريتيك بكونه المركب الكيميائي الأكثر استخداماً في العالم ودم الصناعة النابض، والضربة الصينية الحالية تصيب قطاعين استراتيجيين في مقتل، أولهما صناعة الأسمدة والأمن الغذائي حيث يُوجَّه نحو 60% من حمض الكبريتيك عالمياً لمعالجة صخور الفوسفات وتحويلها إلى أسمدة فوسفاتية قابلة لامتصاص التربة، ويتزامن حظر مايو مع ذروة مواسم الزراعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

وتُعد الهند المتضرر الأكبر مما ينذر بانخفاض حاد في محصول الحبوب العالمي وارتفاع قياسي في أسعار الأغذية تفوق طفرة عام 2022، وثانيهما قطاع تكرير معادن المستقبل كالنحاس والنيكل والكوبالت الأساسية لبطاريات السيارات الكهربائية وشبكات الذكاء الاصطناعي، حيث تواجه مناجر النحاس في تشيلي وبيرو مأزقاً حرجاً كون تشيلي تستورد وحدها أزيد من مليون طن سنوياً من الصين، في حين تعتمد منشآت التعدين في الكونغو وزامبيا بشكل كامل على خطوط الإمداد الصينية وتوقفها يعني شللاً تاماً في الإنتاج أو الشراء بأسعار فلكية تضاعف كلفة التكنولوجيا الحديثة، وسط توقعات باستمرار هذه الأزمة طيلة عام 2026 بسبب حاجة البدائل لفترة بناء تتراوح بين 18 إلى 24 شهراً.

المصدر: الصحفي

قلم يتنقل بين ميادين السياسة، الاقتصاد، بحسّ مرهف وعين فاحصة، ساعياً دوماً لفهم عميق وشامل لقضايا الساعة. يمزج بين الدقة في التحليل والقدرة على تحفيز التفكير النقدي، حيث يقدم للقارئ رؤية موضوعية بعيدًا عن التبسيط، ويسعى لإثراء الحوار وتعميق الفهم حول القضايا الأكثر تعقيدًا في عالمنا المعاصر.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً