تعيش العاصمة الصينية بكين على وقع زخم دبلوماسي غير مسبوق، جعل منها القبلة السياسية الأولى لإدارة الأزمات الدولية وصياغة المعادلات الجيوستراتيجية الكبرى. وخلال أيام معدودة، تحولت بكين إلى نقطة ارتكاز التقى عندها قادة القطبين الغربي والشرقي، وسط تساؤلات متزايدة حول تحول الصين إلى المركز الفعلي لعالم جديد متعدد الأقطاب. هذا التحرك المكثف، المدعوم بمؤشرات اقتصادية قوية حققتها الصين في الربع الأول من عام 2026، يعكس ثقلاً سياسياً متصاعداً يضع بكين في قلب التوازنات الدولية.
بدأ هذا المشهد الجيوسياسي الحافل في الفترة الممتدة من 13 إلى 15 ماي 2026، حيث وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين في أول زيارة دولة له خلال عهدته الرئاسية الثانية. وتمحورت المباحثات المغلقة حينها حول ضبط الاستقرار الاستراتيجي، وحوكمة تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ملفات حيوية مثل أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وشهدت الزيارة بعداً اقتصادياً بارزاً بمرافقة الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، والتلميح لصفقات تجارية كبرى تشمل اقتناء بكين لـ 200 طائرة بوينغ. وبعد أيام قليلة من مغادرة الوفد الأمريكي.
و في 19 و20 ماي 2026، حلّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببكين في زيارته الرسمية الـ 25 للصين، والتي تزامنت مع الذكرى الـ 30 لتأسيس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتُوّجت اللقاءات بتوقيع بيان مشترك يدعو علناً إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، بالإضافة إلى إبرام نحو 20 اتفاقية تعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة.
لا تتحرك الدبلوماسية الصينية من فراغ، بل تستند إلى قاعدة بيانات اقتصادية متينة سجلتها البلاد مطلع العام الجاري، حيث حققت الصين نمواً في ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 5.0% خلال الربع الأول من عام 2026 متجاوزة التوقعات الدولية.
وبلغت قيمة الصادرات الصينية في الفترة نفسها نحو 977.6 مليار دولار بنمو قدره 14% على أساس سنوي، مع تسجيل تمدد لافت نحو الجنوب العالمي تمثل في نمو الصادرات إلى دول جنوب شرق آسيا بنسبة 20% وإلى القارة الإفريقية بنسبة 32%. وتزامن هذا الصعود مع طفرة في التكنولوجيا البديلة تمثلت في قفز صادرات سيارات الركاب الصينية بنسبة 60.6% مدفوعة بصناعة السيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم، مما يمنح الاقتصاد الصيني حصانة نسبية أمام صدمات أسعار الطاقة التقليدية.
ورغم هذا الزخم الفكري والسياسي، تشير القراءات التحليلية إلى أن صعود بكين يواجه عقبات داخلية تحول دون الهيمنة المطلقة، أبرزها تباطؤ نمو مبيعات التجزئة المحلية الذي استقر عند 1.7%، وضغوط هوامش الربح لدى الشركات المصنعة نتيجة ارتفاع تكاليف المواد الأولية.
وتؤكد المعطيات الراهنة أن بكين نجحت في فرض نفسها كمدير للتوازنات الدولية؛ فبينما تبحث واشنطن عن استقرار اقتصادي واستراتيجي، وتسعى موسكو لتثبيت تحالف متين ضد الغرب، تقف الصين في المنتصف مستفيدة من الطرفين، لتقود العالم تدريجياً نحو نظام متعدد الأقطاب تكون هي قلبه النابض.

