بنادق كولومبية لحماية سبائك دبي: خفايا شبكات المرتزقة وتجارة الذهب في مناطق النزاع الإفريقية

تتكشف يوماً بعد آخر خيوط واحدة من أعقد العمليات الأمنية والمالية العابرة للقارات، حيث تتقاطع بنادق المرتزقة القادمين من أدغال أمريكا اللاتينية مع ثروات القارة السمراء المنهوبة. وكشفت تقارير استقصائية دولية وبيانات صادرة عن منظمات حقوقية وخبراء الأمم المتحدة، عن شبكة تجنيد سرية وواسعة النطاق لجنود وضباط سابقين من الجيش الكولومبي، جرى شحنهم عبر شركات أمنية تتخذ من دولة الإمارات مقراً لها، لتأمين مناجم الذهب ومسارات تهريبه في دول إفريقية تشهد حروباً أهلية طاحنة، وعلى رأسها السودان ومنطقة الساحل.

تؤكد التحقيقات أن الاعتماد على “الجنود العسكريين المتعاقدين” (PMCs) من كولومبيا يمثل خياراً استراتيجياً مثالياً للشركات الأمنية الواجهة؛ فهؤلاء المقاتلون يمتلكون خبرة تمتد لعقود في حرب العصابات، وتأمين مناجم الذهب غير القانونية في جبال الأنديز، ومكافحة الكارتيلات.

علاوة على ذلك، يتقاضى المقاتل الكولومبي راتباً يتراوح بين 2,600 و3,000 دولار شهرياً، وهو ما يمثل كلفة منخفضة جداً مقارنة بالمتعاقدين الغربيين، مع ميزة إضافية تمنح الجهات المشغّلة فرصة “الإنكار الدبلوماسي والمطاطية القانونية” في حال مقتلهم أو أسرهم في الميدان.

مسارات التهريب وجغرافيا الجريمة: من دارفور إلى دبي

توضح التقارير الصادرة هذا الأسبوع أن هذه المجموعات، التي تطلق على نفسها أحياناً كود “ذئاب الصحراء”، تنشط بشكل محوري في تأمين الذهب لصالح “قوات الدعم السريع” في السودان بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، والتي تسيطر على مناجم “جبل عامر” ومناطق شاسعة في إقليم دارفور.

ووفقاً للتحقيقات، يسير المخطط عبر المراحل التالية:

  • التدريب واللوجستيات: يتم تجميع المرتزقة الكولومبيين في قواعد عسكرية فرعية (مثل قاعدة الظفرة في أبوظبي أو قاعدة بوساسو في الصومال)، حيث يتلقون تدريبات متقدمة على قيادة الطائرات المسيرة (الدرونز) والمدفعية الثقيلة وعمليات التأمين الميداني.
  • الحماية الميدانية وسرقة المنشأ: يُنقل المقاتلون إلى دارفور وشرق إفريقيا للإشراف على معسكرات التعدين العشوائي وحماية قوافل النقل البري ومدرجات الهبوط السرية للطائرات من هجمات الجماعات المسلحة والمتمردين.
  • الصهر والتجنيس في دبي: تُنقل أطنان الذهب الخام (المقدرة بقيمة مئات الملايين من الدولارات) عبر رحلات خاصة وطائرات شحن لتدخل أسواق الذهب في دبي، حيث تُعاد تصفيتها وصهرها وتزوير شهادات منشئها لتباع في السوق العالمية كذهب قانوني خالص، لتعود هذه الأموال وتغذي الصراعات لشراء الأسلحة.

و لم تعد القضية مجرد تكهنات صحفية؛ فقد أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” (Human Rights Watch) بياناً حقوقياً مدعوماً بشهادات حية لمرتزقة كولومبيين سابقين أكدوا فيه توقيعهم عقوداً مع شركة “مجموعة الخدمات الأمنية العالمية” (GSSG) ومقرها أبوظبي، والمسجلة باسم مسؤولين إماراتيين. وتطابقت هذه البيانات مع تحقيقات منظمة “ذا سينتري” (The Sentry) المتخصصة في تتبع أموال الحروب، والتي كشفت بالوثائق وسجلات الهواتف النقالة تتبع حركة مقاتلين كولومبيين في محيط المخيمات الكبرى ومناجم الذهب في مدينة “الفاشر” السودانية أثناء الهجمات العنيفة التي تعرضت لها.

وفي المقابل، نفت وزارة الخارجية الإماراتية هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكدة في بيانات رسمية أن الدولة لا تسمح باستخدام أراضيها لتجنيد أو تمويل أو نقل مقاتلين أجانب إلى أي صراع. إلا أن لجان العقوبات الدولية التابعة للأمم المتحدة واصلت رصد التدفقات المالية غير الشرعية للذهب التي تنتهي في الأسواق الخليجية كمصدر أساسي لتمويل الحرب في السودان والساحل الإفريقي.

المصادر:

تقرير منظمة Human Rights Watch (صادر في 26 مايو 2026).

تحقيق مؤسسة The Sentry الدولية لتتبع أموال النزاعات (نوفمبر 2025/ مايو 2026).

التقارير الاستقصائية لصحيفة The Wall Street Journal وموقع La Silla Vacía الكولومبي.

بيانات لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي بشأن السودان وإفريقيا.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً