ناقوس خطر في القارة العجوز…هل تحول العجز الزراعي الفرنسي إلى وباء أوروبي؟

اليورو، بل بات يعكس الملامح الأولى لأزمة هيكلية أعمق تضرب النموذج الزراعي عبر القارة الأوروبية بأكملها. وتحول سادس أكبر اقتصاد في العالم إلى “مستورد صافٍ” للغذاء في ديسمبر الماضي، فتح الباب على مصراعيه أمام قراءة شاملة لأزمة عابرة للحدود تمس السيادة الغذائية للاتحاد الأوروبي ككل.

وتؤكد المؤشرات الإحصائية الأخيرة أن هذا التراجع التجاري يجد جذوره في معضلات مشتركة تتقاسمها باريس مع جاراتها؛ فإلى جانب الاضطرابات المناخية الحادة التي ضربت القارة —والتي تسببت في هبوط صادرات الحبوب الفرنسية بنسبة 25% نتيجة فيضانات الشمال التي مست أيضاً ألمانيا وبلجيكا، وموجات الجفاف القياسية في الجنوب التي ضربت إنتاج إسبانيا وإيطاليا واليونان— يواجه الفلاحون الأوروبيون ضغوطاً غير مسبوقة ناتجة عن التضخم الهيكلي في أسعار الطاقة والأسمدة. يضاف إلى ذلك القيود الصارمة لخطة “الانتقال الأخضر” الأوروبية التي تفرض تقليص استخدام المبيدات بنسبة 50% بحلول عام 2030، مما تسبب في تآكل القدرة التنافسية للمنتج المحلي أمام السلع الرخيصة المستوردة من دول أمريكا اللاتينية وأوكرانيا.

وقد تجسدت هذه الطبيعة الجماعية للأزمة في جغرافية الاحتجاجات الريفية الغاضبة؛ فالجرارات التي شلت حركة المرور في المحاور الرئيسية المؤدية إلى العاصمة الفرنسية باريس، هي ذاتها التي حاصرت مقار المفوضية الأوروبية في بروكسل بـ بلجيكا، وأغلقت الطرقات في برلين بـ ألمانيا، ومدريد بـ إسبانيا، ووارسو بـ بولندا. وتتوحد النقابات الزراعية الأوروبية، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني لنقابات المزارعين في فرنسا (FNSEA)، في رفع سقف مطالبها بضرورة تجميد اتفاقية التبادل الحر مع تكتل “ميركوسور” (البرازيل، الأرجنتين، الأوروغواي، والباراغواي)، محذرة من أن الاستمرار في سياسة إغراق الأسواق بمنتجات تتدفق بنسب زيادة في الواردات تجاوزت 12% سيعمق العجز المالي ويقضي نهائياً على منظومة الأمن الغذائي للقارة العجوز.

وتتضاعف حدة هذه الأزمة الأوروبية مع تزايد المخاطر الجيوسياسية المحيطة بـ مضيق هرمز، والتي ألقت بظلالها القاتمة على حركة الشحن البحري وإمدادات الطاقة والمواد الخام. هذا التوتر الإقليمي تسبب في قفزة جديدة في تكاليف الشحن الدولي وأسعار الغاز الطبيعي —العنصر الأساسي في صناعة الأسمدة النيتروجينية والمواد الكيميائية الزراعية— مما وضع الفلاح الأوروبي أمام معضلة أعمق تمثلت في نقص عالمي حاد في المبيدات والمدخلات الزراعية.

هذا الشح في الأسواق الدولية، الذي تزامن مع صعوبة تأمين المواد الفعالة لصناعة مركبات حماية المحاصيل، جرّد المزارعين في دول مثل فرنسا وألمانيا من أدواتهم الأساسية لمكافحة الآفات الزراعية التي انتشرت بكثافة جراء الرطوبة العالية والفيضانات، مما سرّع من وتيرة انهيار معدلات الإنتاجية، ودفع بتكاليف الإنتاج المحلية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة تخرج عن قدرة الأسواق على استيعابها.

المصدر:الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً