كشف الكاتب والإعلامي الجزائري المقيم بفرنسا، نوفل الميلي، عن كواليس رقابة سياسية وتاريخية تُمارس في أعلى هرم السلطة الفرنسية، مؤكداً أن مصطلح منظمة الجيش السري (OAS) —وهي منظمة إرهابية فرنسية ارتكبت جرائم دموية وتفجيرات مروعة ضد الجزائريين في أواخر العهد الاستعماري— قد تم منعه وشطبه عمداً من الخطابات الرسمية في فرنسا.
وعلى الرّغم من الحسابات السياسية الحالية للإليزيه، فإن التاريخ يوثّق منظمة الجيش السري (OAS) باعتبارها واحدة من أقدم وأبشع المنظمات الإرهابية المسجلة التي عرفتها القارة الأفريقية والعالم العربي في القرن العشرين. فهذه المنظمة الكولونيالية الفاشية، التي تأسست مطلع عام 1961 على يد جنرالات وضباط متطرفين في الجيش الفرنسي، تبنت استراتيجية “الأرض المحروقة” والإبادة الجماعية ضد المدنيين العزل، مسجلةً بذلك سابقة خطيرة في تاريخ الإرهاب المنظم بالمنطقة؛ حيث حوّلت مفاصل الدولة والاستخبارات إلى أداة لتنفيذ التفجيرات والاغتيالات الممنهجة، وهو الإرث الدموي الذي تحاول باريس الرسمية اليوم التغاضي عنه وشطبه من ذاكرتها السياسية لتفادي إدانة مؤسساتها العسكرية والتاريخية.
و عبر برنامج “#يمين_ويسار” على قناة جريدة الخبر،استدل الميلي على ذلك بواقعة حية شهدها خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه أمام “الأقدام السوداء”، حيث تواصل بعدها مع أستاذه المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا —الذي شارك في صياغة مسودة الكلمة— ليؤكد له الأخير أنه أدرج اسم منظمة (OAS) وأدان فظائعها في المسودة بالفعل، إلا أن ماكرون استخدم “المقص الرئاسي” وتخطى قراءتها علناً؛ في خطوة تعكس بوضوح رضوخ الإليزيه لسطوة اللوبيات الاستعمارية وتغلغل هذا الفكر النستالجي داخل مراكز صنع القرار الحالية بباريس تهرباً من المسؤولية التاريخية والقانونية للدولة الفرنسية ككيان.
و تعود الواقعة التي رواها الميلي إلى خطاب ألقاه الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه بحضور ممثلين عن “الأقدام السوداء”، في ذكرى أحداث 22 مارس 1961 (حين أطلقت الشرطة الفرنسية النار على فرنسيين في الجزائر).
الميلي، الذي كان يتابع الخطاب بدقة، لاحظ غياباً تاماً لأي ذكر لـ “منظمة الجيش السري” (OAS)، وهي المنظمة الإرهابية الفرنسية التي عاثت فساداً وقتلاً وتفجيراً في أواخر عهد الاستعمار الفرنسي بالجزائر. ولأن غياب المنظمة عن سياق تاريخي كهذا لا يمكن أن يكون عفوياً، سارع الميلي بالاتصال بأستاذه والمؤرخ الفرنسي المعروف بنجامان ستورا، والذي كان قد شارك مباشرة في صياغة مسودة ذلك الخطاب الرئاسي.
جاء رد ستورا صادماً ومؤكداً لشكوك الميلي؛ حيث أكد المؤرخ الفرنسي أنه كتب بالفعل اسم منظمة (OAS) في المسودة وأدان جرائمها، لكن ماكرون تخطاها وتعمّد عدم قراءتها أثناء إلقاء الخطاب. هذا “المقص الرئاسي” يعكس بوضوح سياسة الموازنات التي يتبعها ماكرون؛ فهو من جهة يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الشجاع الذي يفتح ملف الذاكرة، ومن جهة أخرى يرتعد سياسياً أمام اليمين المتطرف وتيار “الحنين للاستعمار” (النستالجيا)، مخافة خسارة أصواتهم الانتخابية.
لم تتوقف شهادة نوفل الميلي عند حدود الرقابة على الكلمات، بل غاصت عميقاً في بنية السلطة الفرنسية الحالية لتفسر سبب هذا التردد الرئاسي.حيث كشف الميلي عن معلومة بالغة الأهمية تتعلق بـ الجنرال المرافق والمسؤول الخاص لرئيس الجمهورية الفرنسي في قصر الإليزيه، مشيراً إلى أن والده كان ضابطاً مسؤولاً بارزاً في منظمة الـ (OAS) الإرهابية.
هذا التفصيل الصادم يفكك شفرة استمرار الفكر الكولونيالي (الاستعماري) في فرنسا؛ فالأمر لم يعد مجرد تاريخ مدفون في الأرشيف، بل هو امتداد حي وعائلي يتغلغل داخل مراكز صنع القرار الحالية في الرئاسة الفرنسية. هذا التغلغل يشكل “جدار صد” حقيقي يمنع الإليزيه من اتخاذ أي خطوة شجاعة للاعتراف بجرائم الماضي، نظراً لسطوة هؤلاء المسؤولين وحنينهم للحقبة الاستعمارية.
في تحليله للمنهجية التاريخية التي يعتمدها ماكرون، أشار الميلي إلى ذكاء سياسي “مكشوف” يمارسه الإليزيه؛ حيث يفضل ماكرون عند الحديث عن التعذيب أو الجرائم ذكر أسماء أفراد بعينهم (مثل الكوموندون أو الجنرال بول أوساريس) باعتبارهم ارتكبوا تجاوزات فردية.
الهدف من هذه الاستراتيجية هو تجنب إدانة “المؤسسة العسكرية” أو الدولة الفرنسية ككيان ومؤسسة. فإدانة الدولة تعني قانونياً وأخلاقياً الاعتراف بأن الإرهاب والتعذيب كانا سياسة ممنهجة ومخططاً لها من أعلى هرم السلطة الفرنسية آنذاك، وهو ما تتهرب منه باريس لتفادي التبعات القانونية والتعويضات التاريخية.
اختتم الميلي شهادته بنقد لاذع للمقاربة الفرنسية التي تحاول حصر ملف الذاكرة والجرائم في حقبة الثورة التحريرية (1954-1962) أو أحداث الستينيات فقط. واعتبر أن المنهجية الحقيقية والجادة للاعتراف يجب أن تعود بالقطار التاريخي إلى البداية: أي إلى مجازر القرن التاسع عشر وبداية الغزو عام 1830.
فالجرائم الحقيقية التي أسست للمأساة بدأت وسيستمر أثرها من خلال سياسات الأرض المحروقة، وإبادة قبائل كاملة، ومصادرة الأراضي، وطمس الهوية، وهي الفظائع التي تحاول فرنسا الرسمية القفز عليها وتجهيلها في خطابها المعاصر.

