لم يعد النفوذ الجيوسياسي في القارة الإفريقية يُقاس بحجم البعثات الدبلوماسية التقليدية فحسب، بل بات يُهندس عبر خطوط نقل الطاقة، ومحطات التوليد، وبناء البنى التحتية العابرة للحدود. وفي هذا السياق المقارن، تلعب الجزائر ورقة رابحة وثقيلة في منطقة الساحل والعمق الإفريقي؛ قاطرتها في ذلك فرع مجمعها الطاقوي العملاق: “سونلغاز الدولية”.
إن الإعلان الأخير لوزير الطاقة والمناجم من العاصمة النيجرية نيامي حول قرب وضع حجر الأساس لمحطة توليد كهرباء جديدة بقدرة 40 ميغاواط في العاصمة التشادية انجامينا، وقبلها تدشين محطة “التضامن الجزائري – النيجري” بغورو باندا، ليس مجرد صفقات تجارية عابرة، بل هو تجسيد حي لاستراتيجية “دبلوماسية الميغاواط” التي تقودها الجزائر لترسيخ تمددها الاقتصادي في القارة السمراء.
يمثل محور (الجزائر – نيامي – انجامينا) عمقاً أمنياً واقتصادياً حيوياً للدولة الجزائرية. وفي الوقت الذي تشهد فيه منطقة الساحل الإفريقي تجاذبات دولية واستقطابات حادة، تتدخل الجزائر عبر “سونلغاز الدولية” لتقديم حلول مستدامة لأكبر عائق يواجه التنمية في القارة: أزمة العجز الطاقوي.
تجسيد محطة نيامي في آجالها المحددة بقدرات وطنية، والتحضير لوضع حجر أساس محطة تشاد (40 ميغاواط) تنفيذاً لاتفاقية ماي المنصرم، يبعث برسالة قوية للعواصم الإفريقية مفادها أن الجزائر شريك موثوق يفي بالتزاماته التقنية والزمنية. هذا الحضور العملياتي في الميدان يمنح الدبلوماسية الجزائرية أوراق ضغط ونفوذ ناعم يتجاوز بكثير ما يمكن أن تحققه المساعدات الإنسانية المؤقتة، حيث تتحول شبكات الكهرباء المشيدة بأيادٍ جزائرية إلى روابط استراتيجية دائمة وصعبة التفكيك.
تصر العقيدة السياسية الجزائرية، بتوجيهات من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، على صياغة مفهوم جديد للتعاون “جنوب – جنوب” يقطع مع إرث الاستغلال أو الشروط السياسية المجحفة التي تفرضها الشركات متعددة الجنسيات والقوى الغربية.
“سونلغاز الدولية” لا تقدم نفسها كجهة مهيمنة، بل كشريك تنموي ينقل الخبرة والمعرفة التقنية. هذا الأسلوب أثمر تهافتاً متزايداً وطلبات رسمية من دول إفريقية أبعد جغرافيّاً عن منطقة الساحل التقليدية، على غرار كوت ديفوار وموزمبيق، والتي باتت ترى في النموذج الجزائري بديلاً تكنولوجياً واقتصادياً عادلاً يضمن تحقيق السيادة الطاقوية المحلية دون رهن القرار السياسي.
الأبعاد الاستراتيجية لتحركات “سونلغاز الدولية” لا تقتصر على السياسة الخارجية، بل تمتد لتشكل رافعة حيوية للاقتصاد الجزائري في الداخل من خلال تطبيق مبدأ “سلسلة القيم” ($Value\ Chain$).
فالمجمع في مشاريعه القارية لا يتحرك منفصلاً، بل يعمل كـ “قاطرة” تقود خلفها مئات الشركات الوطنية العمومية والخاصة والمناولين المحليين (المصنعين للكابلات، المحولات الكهربائية، العدادات، وشركات الهندسة المدنية والتركيب). هذا الأسلوب يحقق مكاسب اقتصادية مركبة:
- تصدير الذكاء والخدمات: تشغيل العمالة والمهندسين الجزائريين في مشاريع دولية.
- فتح أسواق جديدة للمنتج الوطني: إدماج المدخلات الصناعية الجزائرية الصنع في البنى التحتية الإفريقية.
- جلب العملة الصعبة: تنويع مصادر الدخل خارج قطاع المحروقات التقليدي (النفط والغاز الخام).
إن “دبلوماسية الميغاواط” التي تنتهجها الجزائر عبر مجمع سونلغاز تثبت أن بناء النفوذ الإقليمي المستدام يمر حتماً عبر بوابة الكفاءة الاقتصادية والحلول التنموية المشتركة. ومع تحول “سونلغاز الدولية” إلى فاعل طاقوي عابر للحدود في إفريقيا، تصبح المنشآت الكهربائية الحاملة للراية الجزائرية في نيامي، انجامينا، ومستقبلاً في أبيدجان ومابوتو، بمثابة قلاع اقتصادية متقدمة تحمي المصالح الاستراتيجية للبلاد، وتؤكد أن الجزائر صانعة للاستقرار والتنمية في قارتها السمراء.

