مع انطلاق الحملة الانتخابية لاستحقاق الثاني من جويلية 2026 في الجزائر، يبرز تساؤل قانوني وسياسي يتجاوز حدود التنافس الانتخابي التقليدي ليمس جوهر البناء المؤسساتي للجمهورية الجديدة: هل ينجح “برلمان 2026” في تفعيل نصوص دستور 2020 وتحويلها من شعارات دستورية إلى واقع ملموس؟
و في هذا السياق أكد الدكتور حمزة خودري، عميد كلية الحقوق وأستاذ القانون العام، أن الانتخابات التشريعية المقررة يوم 2 جويلية 2026 تمثل مرحلة استراتيجية في مسار بناء المؤسسات الجزائرية، مشدداً على أن هذا الاستحقاق ليس مجرد تجديد روتيني للمقاعد، بل هو اختبار لمدى نضج الممارسة الديمقراطية وتفعيل نصوص دستور 2020.
في حوار أجراه صباح اليوم الثلاثاء عبر القناة الإذاعية الأولى، أوضح الدكتور خودري أن “برلمان 2026” يحمل على عاتقه مسؤوليات جسيمة، في مقدمتها مرافقة السلطة التنفيذية في رفع تحديات النمو الاقتصادي. وأشار المتحدث إلى أن البرلمان مطالب باستكمال المسار التشريعي الذي شهدته العهدة السابقة، خاصة ما تعلق بقانون الاستثمار وقانون الصفقات العمومية، مع ضرورة التركيز على تعزيز المنظومة القانونية لمكافحة الفساد وأخلقة الحياة العامة، وهو ما يجعل من جودة التشريع ركيزة أساسية لأي برلماني مستقبلي.
وفي رده على تساؤلات حول نزاهة العملية الانتخابية، أكد الخبير القانوني أن “شبح التزوير” بات جزءاً من الماضي بفضل الضمانات القانونية واللوجيستية التي أقرها القانون العضوي للانتخابات. وأبرز في هذا الصدد دور السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات التي باتت تتحكم في كافة مفاصل العملية، من المراجعة الاستثنائية للقوائم وصولاً إلى منح الأحزاب والقوائم الحرة نسخاً من محاضر الفرز يوم الاقتراع، وهي “ضمانة قانونية لا تترك مجالاً للشك”، حسب تعبيره.
وتطرق الدكتور خودري إلى ملف الترشيحات، موضحاً أن نسبة قبول 70% من الملفات مقابل رفض 30% تعكس “صرامة قانونية” تهدف إلى تحسين جودة النخب البرلمانية. وشدد على أن الرفض لم يكن انتقائياً، بل استند إلى معايير موضوعية شملت استيفاء الشروط الإدارية، ومنع الموظفين الذين تفرض طبيعة عملهم حياداً تاماً من الترشح، إضافة إلى تفعيل المادة 200 المتعلقة بابعاد أصحاب المال المشبوه عن العمل السياسي، وهو ما اعتبره “ثمرة لمطالب شعبية وسياسية طويلة الأمد”.
وعن طبيعة الحوار السياسي خلال الحملة الانتخابية التي انطلقت اليوم، دعا عميد كلية الحقوق المترشحين إلى “الصدق مع المواطن” والتركيز على المهام الوطنية للنائب البرلماني، محذراً من الوقوع في فخ الوعود التي تدخل في صلاحيات المجالس البلدية أو الولائية. وأكد أن البرلمان مؤسسة للتشريع والرقابة الوطنية، داعياً إلى ضرورة الابتعاد عن التجريح واللجوء إلى “المال النظيف” في تمويل الحملات، مع الالتزام بميثاق أخلاقيات يهدف إلى تقديم صورة مشرفة للعمل الحزبي.
وفي استشرافه للمشهد ما بعد 2 جويلية، استبعد الدكتور حمزة خودري حدوث هزات كبرى في موازين القوى التقليدية، متوقعاً في الوقت ذاته أن يشهد البرلمان تنوعاً سياسياً إيجابياً بدخول أحزاب كانت تقاطع العملية الانتخابية سابقاً، مما سيخلق “تعدديّة داخل قبة البرلمان” تجمع بين الموالاة والمعارضة والقوائم الحرة، وهو ما يصب في نهاية المطاف في صالح جودة العمل التشريعي والرقابي للجزائر الجديدة.

