شهد فيلم أحد أبطال الثورة الجزائرية “زيغود يوسف”، و الذي عُرض يوم أمس على شاشة القناة الجزائرية العمومية بمناسبة الذكرى الرابعة والستين للاستقلال، نقلة نوعية في مقاربة الذاكرة الثورية؛ إذ لم يعد السؤال مقتصرًا على الجانب البطولي أو السرد الملحمي المعتاد، بل امتد ليشمل العمق الإنساني للأبطال.
فبينما كانت السينما التقليدية تركز على الشق العسكري والسياسي للمجاهدين، نجح هذا العمل في تسليط الضوء على هواجس القائد وتساؤلاته الوجودية، مقدماً “زيغود يوسف” في صورة الإنسان الذي يتأرجح بين نداء الوطن ونداء القلب، ليؤكد أن عظمة قادة الثورة لم تكن في تجردهم من المشاعر، بل في قدرتهم على الانتصار على إنسانيتهم وأشواقهم الخاصة من أجل تحرير الوطن.
تتجسد القيمة الفنية والتوثيقية لفيلم “زيغود يوسف” في كونه عملاً درامياً يندرج ضمن فئة السيرة الذاتية التاريخية، حيث يعود الفيلم بالمشاهد إلى الفترة الممتدة ما بين 1945 و1956 لرصد محطات مفصلية في تاريخ الجزائر، انطلاقاً من مجازر الثامن من ماي 1945 وصولاً إلى استشهاد البطل في سبتمبر 1956. وقد أُنتج العمل تحت إشراف وزارة المجاهدين وذوي الحقوق من قبل المركز الجزائري لتطوير السينما (CADC)، بلمسة إخراجية للمخرج مؤنس خمّار وسيناريو وقّعه الدكتور أحسن تليلاني، في حين أضفت الموسيقى التصويرية للموسيقار صافي بوتلة بعداً شعورياً عميقاً على الأحداث. هذا وقد تم تصوير الفيلم في مواقع تاريخية حقيقية توزعت بين سمندو، وقسنطينة، وعنابة، وسكيكدة، ليجسد فيه الممثل سليمان بنواري شخصية البطل زيغود يوسف إلى جانب كوكبة من الشخصيات التاريخية كديدوش مراد وعلي كافي ورابح بيطاط، وقد تزامن عرضه الأول مع الاحتفالات بالذكرى الرابعة والستين لعيد الاستقلال والشباب في جويلية 2026.
و على امتداد عقود، ظلّت السينما الجزائرية تُقدّم الثورة التحريرية بوصفها ملحمةً وطنية كبرى، تركز على الجانب البطولي والشق العسكري والسياسي للمجاهدين، ما جعلها مصدر إلهام للكثير من الثورات عبر العالم، غير أن تحوّلا كبيرا طرأ على كيفية التعامل مع سينما الثورة خلال السنوات الأخيرة، مع ظهور جيل شاب لجأ إلى الابتكار وتسليط الضوء على نقاط جديدة والنظر إلى الثورة الملهمة من زوايا معاصرة.
ما الذي فعله المجاهدون، وكيف عاشوا تلك التجربة؟ ماذا كان يشعر به رجل يودّع زوجته وابنته وهو يعلم أنه قد لا يعود؟ وكيف استطاع أن ينتصر على ضعفه الإنساني قبل أن ينتصر على عدوه؟
يأتي فيلم “زيغود يوسف” ليجيب عن هذه الأسئلة من زاوية مختلفة، دون أن يتخلى عن البعد التاريخي، فمن إنتاج المركز الجزائري لتطوير السينما تحت إشراف وزارة المجاهدين وذوي الحقوق، وبسيناريو للدكتور أحسن تليلاني، وإخراج شاب اختار أن يقرأ الثورة بعين الإنسان قبل البطل، يقدّم مؤنس خمّار الفيلم كسيرة ذاتية لأحد أبرز قادة الثورة التحريرية، متنقلًا بين سمندو، وقسنطينة، وعنابة، وفيليبفيل (سكيكدة)، خلال الفترة الممتدة بين 1945 و1956، حيث تظهر الكثير من الشخصيات التاريخية مثل : ديدوش، وعلي كافي وبن طوبال وبن مهيدي، وبلميهوب، وغيرهم من رموز الثورة التحريرية.
ويستعرض العمل أبرز المحطات المفصلية في تاريخ الثورة، من مجازر الثامن من ماي 1945، إلى اندلاع الثورة المسلحة في الفاتح من نوفمبر 1954، ثم هجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، ومؤتمر الصومام 20 أوت 1956، وصولًا إلى استشهاد زيغود يوسف في سبتمبر 1956 بسيدي مزغيش، بسكيكدة، غير أن الفيلم لا يجعل من هذه الأحداث غايته الأساسية، بل يوظفها خلفية لفهم الشخصية الإنسانية التي كانت تحرّك تلك الوقائع.
وهنا تكمن أهم نقاط قوة في الفيلم. فزيغود يوسف يظهر قائدًا عسكريًا و أبًا يشتاق إلى ابنته شامة في الوقت نفسه، وزوجًا يتألم لابتعاده عن زوجته عائشة، وإنسانا يخوض صراعًا داخليا بين نداء القلب ونداء الوطن.
ما لا ترويه المعارك عن رجال الثورة
لقد نجح افيلم “زيغود يوسف” في كسر الصورة النمطية التي حصرت المجاهد في هيئة المقاتل الصلب، ليعيد إليه إنسانيته التي لم تنتقص يومًا من بطولته، بل كانت مصدرها الحقيقي.
ولعل أكثر المشاهد تعبيرًا عن هذه الرؤية، مشهد لعبة “الغميضة” بين زيغود يوسف ورفاقه والطفلة شامة، قد تبدو لقطة بسيطة للوهلة الأولى، لكنها من أكثر مشاهد الفيلم كثافةً على المستوى الرمزي، ففي لحظات قليلة، يتحول رجال الثورة من مقاتلين يحملون السلاح إلى آباء يشاركون طفلة ضحكتها، وكأن المخرج يريد أن يقول إن هؤلاء لم يكونوا عشاق حرب، وإنما بشرًا دفعتهم وحشية الاستعمار إلى حمل السلاح دفاعًا عن وطنهم.
لعبة الغميضة نفسها تبدو استعارة لحياة المجاهدين؛ يختفون عن عائلاتهم، ويتخفّون عن أعين المحتل، ويظهرون فقط حين يحين موعد الفعل الثوري، قبل أن يعودوا إلى غياب جديد قد يكون هذه المرة غيابًا أبديًا.
ويبلغ هذا الصراع الإنساني ذروته في الحوار الذي يجمع زيغود بزوجته، حين تشكو مرارة الغياب واحتياج الأسرة إليه، فيجيبها بجملة تختزل فلسفة الثورة الجزائرية: “الجهاد من اختارنا… يجب تحرير الوطن من أجل أن تحيا شامة بكرامة.”
لم تعد شامة هنا ابنة زيغود وحده، بل غدت رمزًا لكل أطفال الجزائر الذين حلم المجاهدون بأن يكبروا في وطن حر، حتى وإن حُرموا هم من رؤية ذلك اليوم.
ومن التفاصيل الذكية التي التقطها الفيلم أيضًا، استحضار الأمير عبد القادر بوصفه امتدادًا تاريخيًا للمقاومة الجزائرية، في إشارة إلى أن ثورة نوفمبر لم تنشأ من فراغ، وإنما جاءت امتدادًا لمسار طويل من الكفاح الوطني.
الفيلم نجح في إبراز أخلاق الثورة من خلال طريقة معاملة الأسرى، ولا سيما المشهد الذي يطلق فيه زيغود يوسف سراح أحد الجنود الفرنسيين محمّلًا برسالة إلى قيادته، في مشهد ينسف الصورة الاستعمارية التي سعت إلى تصوير الثوار باعتبارهم إرهابيين، ويؤكد أن الثورة الجزائرية كانت تحمل مشروعًا للتحرير قبل أن تكون مشروعًا للقتال، محتوى الرسالة تمكن من قلب مفاهيم الكثير من الفرنسيين وعمل على كسب تعاطفهم، والدليل أن الأسير منح قبعته لزيغود وهي القبعة التي اشتهر بها طول فترة كفاحه.
أما على مستوى الأداء، فقد كان اختيار سليمان بنواري لتجسيد شخصية زيغود يوسف موفقًا إلى حد بعيد، فقد امتلك الكاريزما اللازمة لحضور قائد بحجم زيغود، وأظهر تحكمًا لافتًا في الإلقاء وتعابير الوجه، متنقلًا بسلاسة بين صرامة القائد وحنان الأب، دون الوقوع في المبالغة أو الخطابة. وهو ما جعل الشخصية تبدو قريبة من المشاهد، لا مجرد تمثال تاريخي يتحرك أمام الكاميرا.
ولا يمكن الحديث عن جماليات الفيلم دون التوقف عند الموسيقى التصويرية التي أبدعها الموسيقار صافي بوتلة، حيث كانت الموسيقى لغة سينمائية كاملة، تتنفس مع الشخصيات، وترتفع بإيقاع المعارك، ثم تنخفض في لحظات الصمت والحنين والوداع، تقود المشاهد إلى الحالة النفسية التي أرادها المخرج، حتى بدت في كثير من الأحيان وكأنها تقول ما عجزت الشخصيات عن التصريح به.
إن عظمة رجال نوفمبر لم تكن في أنهم لم يعرفوا الحب أو الحنين أو الخوف، وإنما في أنهم عرفوا كل ذلك، ثم اختاروا الجزائر، هزموا المستعمر وانتصروا أيضًا على أنفسهم، وداسوا على أشواقهم وأحلامهم الخاصة، حتى تنعم الأجيال اللاحقة بوطن حر ومستقل.
لعل أكثر المشاهد قوة، وأكثرها رمزيا، لحظة سقوط البطل الشهيد ومحاولته رفع سبابته للتشهد، حيث تتجلى روح الإيثار والفداء للبلد، تهب نفس روحها لتحيا أخرى، يلفظ البطل أنفاسه الأخيرة، لتنهض ابنته التي كانت ممدّدة بجانبه، وهنا يعود المخرج إلى الفكرة الأيقونية التي ركز عليها في حديث زيغود مع زوجته “أن تحيا شامة بكرامة”
الفيلم لم يغفل عن الدور البطولي والنضالي للمرأة الجزائرية، ومعاناتها وتحملها الصعاب من أجل توفير الأرضية للمقاومة، فصوّرها مدرسة لتخريج الرجال، وتجلى ذلك عند مشهد سقوط البطل مراد، أين حاول أحد الخونة أن يهينها وينال من كرامتها، وخاطبها بعبارة “ربّوا أولادكم” في سخرية واضحة ومستفزة للأبطال الجزائريين، لكنها ردّت له الصاع صاعين بعبارة قاتلة: (أنا جبت راجل، خمّم على روحك)
نساء الفيلم استطعن قهر معنويات جنود الاستعمار بالزغاريد التي ترتفع عادة من أجل تكريم الشهيد، تلك الزغاريد أظهرت هشاشة وجبن الجندي الفرنسي الذي يختبئ وراء السلاح ولا يواجه إلا النساء والأطفال والشيوخ والعزّل.

