إسبانيا و بريطانيا…بعد هرمز هل جاء الدور على مضيق جبل طارق ؟

بعد منتصف ليل الأربعاء 15 جويلية 2026 بقليل، توقف السياج الحدودي الشهير الذي فصل إسبانيا عن الإقليم البريطاني في جبل طارق لأكثر من قرن عن الوجود. تجمع مئات الأشخاص على جانبي الحدود السابقة ليشهدوا لحظة تاريخية، وهم يلوحون بالأعلام الإسبانية ويحتفلون بنهاية طوابير الانتظار التي كانت لسنوات علامة فارقة في حياة آلاف العمال العابرين للحدود.

“نهاية المحنة”، كما وصفته بعض وسائل الإعلام، أصبحت حقيقة واقعة بعد التوقيع على المعاهدة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، والتي ترسي إطاراً جديداً للعلاقات مع الصخرة، تلك المستعمرة البريطانية التي يبلغ عدد سكانها نحو 40 ألف نسمة وتقع في أقصى جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية.

الاتفاق، الذي سيُطبق بشكل مؤقت اعتباراً من اليوم في انتظار مصادقة البرلمان الأوروبي عليه خلال الشتاء القادم، يدمج جبل طارق في منطقة شنغن والسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، وإن لم يكن عضواً كامل العضوية. هذه الخطوة، التي وصفها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بأنها هدم “آخر جدار” داخل الاتحاد الأوروبي، تمثل تغييراً جذرياً لأكثر من 15 ألف عامل إسباني يعبرون الحدود يومياً لمزاولة أعمالهم في الصخرة، وهو ما يشكل نحو نصف قوتها العاملة.

وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، الذي سافر إلى بروكسل لحضور التوقيع، أكد أن الاتفاق يفتح “عهداً جديداً بين إسبانيا والمملكة المتحدة” ويخلق “إمكانيات هائلة” لمنطقة كامبو دي جبل طارق بأكملها. إلغاء فحوصات جوازات السفر عند السياج يعني نهاية مشكلة تسببت، وفقاً لشهادات موثقة لدى شبكة التلفزيون الإسبانية العامة، في انتظار يستمر حتى 7 ساعات للعمال العابرين.

رغم أن إزالة الحاجز المادي يُنظر إليها بتفاؤل لما توفره من سلاسة في الحركة، فإن الاتفاق يستحدث أيضاً تغييرات اقتصادية وضريبية مهمة تثير بعض التساؤلات. تنص المعاهدة على أن السلع المباعة في جبل طارق يجب أن تتوافق مع التشريعات الأوروبية، ولتجنب الاختلالات، سيتم فرض ضريبة جديدة على المعاملات، تبدأ بنسبة 15% وترتفع إلى 17% خلال 3 سنوات، كبديل لنظام ضريبة القيمة المضافة الذي لم يكن معمولاً به في الصخرة.

الرقابة الحدودية لم تختفِ تماماً، بل انتقلت. المسافرون القادمون إلى جبل طارق من خارج منطقة شنغن، بما فيهم القادمون من المملكة المتحدة، سيكونون ملزمين بالخضوع لفحص جوازات السفر في المطار والميناء، حيث سيعمل ضباط من جبل طارق وإسبانيا بشكل مشترك، في نموذج مماثل لذلك المعمول به في محطات قطار يوروستار.

هذا الحدث التاريخي يأتي في سياق نزاع سيادي يعود إلى معاهدة أوتريخت عام 1713. ومع ذلك، فإن المعاهدة الجديدة لا تحل الخلاف؛ إذ تظل المطالبة الإسبانية بالصخرة قائمة. يُقدم الاتفاق بدلاً من ذلك كآلية لإدارة واقع الحدود المشتركة، تاركاً جانباً الطموحات السيادية للتركيز على الازدهار الاقتصادي وتحسين حياة المواطنين في كلا الإقليمين.

رئيس وزراء جبل طارق فابيان بيكاردو، الذي حضر التوقيع واحتفالات فجر اليوم، لخص المشاعر العامة بقوله إن “أوروبا عادت”. بالنسبة لآلاف المواطنين الذين عاشوا الحدود كفاصل مصطنع ومصدر للاحتكاك، فإن سقوط السياج يفتح فصلاً جديداً من العلاقات الإنسانية والاقتصادية، مخلفاً وراءه رمزاً لماضٍ من الخلافات والانقطاع.

و يأتي هذا الاتفاق التاريخي الذي يزيل السياج الحدودي بين إسبانيا وجبل طارق في وقت يشهد فيه العالم أزمة حادة في مضيق هرمز، حيث يخضع النظام القانوني للمضائق الدولية برمته لاختبارات ضاغطة على المستوى الدولي، وسط دعوات متصاعدة لإعادة النظر في القوانين البحرية.

يحذر خبراء معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) من أن أي تنازل عن مبدأ حرية الملاحة في هرمز، سواء عبر فرض رسوم أو إدارة مشتركة مع الدول المشاطئة، قد يشكل سابقة خطيرة تُضعف النظام القانوني للمضائق الدولية بأكمله.

فإذا سمح المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة التي ظلت لسنوات الحامي الأقوى لحرية الملاحة، بتقييد المرور في مضيق حيوي مثل هرمز، فإن ذلك سيفتح الباب أمام دول أخرى للمطالبة بحقوق مماثلة في مضائق استراتيجية أخرى، من باب المندب إلى ملقا، مما يعيد تشكيل خريطة الملاحة العالمية برمتها. وتتجلى خطورة هذا السيناريو في أن الأزمة الراهنة تكشف ليس فقط عن انتهاك للقواعد القانونية، بل عن تآكل تدريجي للسلطة الدولية القادرة على إنفاذها، كما يشير مراقبون في تحليلهم لوضع مضيق باب المندب.

المصدر: وسائل اعلام اسبانية+ الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً