مكافحة التصحر…خبراء عرب في الصين لاستكشاف التجربة الصينية

في وقت تواجه فيه العديد من الدول العربية تحديات متزايدة تتمثل في التصحر وشح المياه وتدهور الأراضي، تتجه الأنظار إلى التجربة الصينية في مكافحة التصحر بوصفها نموذجاً رائداً يجمع بين استعادة الإيكولوجيا وتحقيق التنمية الاقتصادية. وفي هذا السياق، انطلقت مؤخراً في مدينة يينتشوان، حاضرة منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوي بشمال غربي الصين، دورة تدريبية متخصصة في تقنيات مكافحة التصحر للدول العربية، بمشاركة 34 خبيراً ومسؤولاً في المجال الإيكولوجي من العراق والأردن وتونس وغيرها من الدول العربية، وتستمر لمدة ثلاثة أسابيع.

ويُوصف التصحر بأنه “سرطان الأرض”، لما يمثله من تهديد لمعيشة وتنمية أكثر من 1.5 مليار نسمة في أكثر من 110 دول ومناطق حول العالم، منها الصين والعديد من الدول العربية. وخلال العقود الماضية، طوّرت الصين مجموعة من النماذج والتقنيات لمكافحة هذه الآفة البيئية، حيث تحولت مساحة الأراضي المتصحرة من توسع سنوي بلغ نحو 340 ألف هكتار في نهاية القرن الماضي إلى تقلص سنوي يقارب 670 ألف هكتار حالياً، وأسهمت البلاد بنحو ربع الزيادة العالمية في المساحات الخضراء خلال السنوات الأخيرة، في إنجاز يعكس فعالية السياسات والتقنيات المتبعة.

وتعد نينغشيا إحدى أبرز المناطق التي تجسد هذه التجربة المتميزة، إذ أصبحت المنطقة التي كانت تواجه تهديداً من زحف الصحراء المحيطة بها، أول منطقة على مستوى المقاطعات في الصين تحقق انخفاضاً متزامناً في مساحة الأراضي المتصحرة والأراضي الرملية، وطورت نماذج عملية مثل حواجز مربعات القش لتثبيت الرمال وأنظمة متكاملة للوقاية من الرياح والرمال، إلى جانب نموذج مبتكر يجمع بين مكافحة التصحر وتطوير الطاقة الكهروضوئية. وفي مدينة تشونغوي، تحولت الصحراء من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، إذ أصبحت بعد أن كانت منطقة قاحلة تعصف بها الرمال وجهة سياحية معروفة تستقطب ما يقرب من 20 مليون زائر سنوياً، اعتماداً على تطوير سياحة مميزة تشمل الفنادق والمخيمات الصحراوية وأنشطة مثل مراقبة النجوم وركوب سيارات الدفع الرباعي في الصحراء، وهو ما يعكس قدرة الصين على تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية.

وخلال مراسم افتتاح الدورة، قال سيف الدين التركي، الباحث في مخبر علوم الصحراء ومقاومة التصحر بمعهد المناطق القاحلة في تونس، إن التصحر “يمثل اليوم أحد أبرز التحديات البيئية والتنموية التي تواجه العالم، في ظل التغيرات المناخية وندرة الموارد المائية وتدهور الأراضي”، مضيفاً أنه “من هنا تبرز أهمية التعاون الدولي، وتبادل الخبرات، والاستفادة من التجارب الناجحة لإيجاد حلول عملية ومستدامة”. وذكر أن الصين “أثبتت ريادتها في هذا المجال، من خلال إنجازات متميزة في استصلاح الأراضي المتدهورة، وتطوير تقنيات حديثة لمكافحة التصحر”، معتبراً أن هذه الدورة تمثل “فرصة ثمينة للتعلم وتبادل الخبرات والاستفادة من أفضل الممارسات”.

وتُنظم الدورة من قبل معهد إيكولوجيا الغابات والمراعي التابع لأكاديمية نينغشيا للعلوم الزراعية والحرجية، وبدعم من وزارة التجارة الصينية. ويجمع البرنامج بين المحاضرات النظرية والتدريب الميداني والزيارات إلى مواقع نموذجية، ويشمل موضوعات مثل تحسين النظم الإيكولوجية في المناطق الجافة، واستعادة الأراضي الرملية المتدهورة باستخدام القشور الحيوية، والمعالجة المتكاملة للأراضي المالحة والقلوية، إضافة إلى تدريبات تطبيقية ميدانية تشمل الري الذكي الموفر للمياه باستخدام الطاقة الكهروضوئية، والاستفادة من موارد النباتات الصحراوية، مما يوفر للمشاركين فهماً شاملاً للتقنيات الصينية المبتكرة في هذا المجال.

وقال وانغ تشان جيون، مدير المعهد، إن الهدف من البرنامج يتمثل في تقاسم الخبرات الصينية مع الدول العربية، بما يساعد المشاركين على مواءمة التقنيات والنماذج الصينية مع الظروف البيئية المحلية في بلدانهم، وتعزيز التعاون العلمي والتقني بين الجانبين، في إطار رؤية تهدف إلى بناء شراكات مستدامة لمواجهة التحديات البيئية المشتركة. ويُذكر أنه منذ عام 2006، نظم المعهد 25 دورة تدريبية موجهة للدول العربية ضمن برامج المساعدات الخارجية الصينية، استفاد منها 473 مشاركاً، وهو ما يأتي في إطار جهود متواصلة لتعزيز تبادل الخبرات في مجال مكافحة التصحر وبناء القدرات في الحوكمة الإيكولوجية على مدى عقدين من الزمن.

وأكد سيف الدين التركي أن المشاركة في هذه الدورة “لا تقتصر على اكتساب المعرفة فحسب، بل تمثل أيضاً فرصة لتعزيز أواصر التعاون والصداقة بين الصين والدول العربية، وبناء شراكات علمية تسهم في خدمة قضايا البيئة والتنمية المستدامة”، في تأكيد على البعد الإنساني والتنموي لهذا التعاون الذي يتجاوز الجوانب التقنية إلى بناء جسور التواصل بين الشعوب.

المصدر: مجلة الصين اليوم

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً