بدأ لبنان، خلال الأيام الماضية، بوضع الأرضية اللوجستية والإدارية لمشروع نقل الفيول العراقي براً عبر الأراضي السورية إلى منشآت النفط في مدينة طرابلس شمالي البلاد، في إطار مساعٍ لتعزيز التعاون النفطي بين بيروت وبغداد، غير أن الحديث لا يزال عند مرحلة التحضيرات الأولية ولم يدخل بعد حيز التنفيذ العملي، وذلك بعد إبداء الجانب العراقي استعداده لتصدير الفيول عبر لبنان خلال زيارة رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام الأخيرة إلى بغداد.
ويعقد اجتماع ظهر اليوم الاثنين برئاسة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، يضم وزراء الطاقة والمياه جو الصدي، والمالية ياسين جابر، والأشغال العامة والنقل فايز رسامني، إلى جانب ممثلين عن الجمارك والأمن العام، وذلك بهدف متابعة مستجدات المشروع ووضع خارطة طريق للمتطلبات التي ينبغي تأمينها قبل الانتقال إلى أي خطوات تنفيذية، على أن يتركز البحث على وضع المعابر الحدودية الشمالية مع سوريا والاحتياجات المطلوبة لتسريع تأهيلها، حيث تشكّل جهوزية هذه المعابر عنصراً أساسياً في تحديد قابلية المشروع للتنفيذ.
وبالتوازي مع الاجتماع الحكومي، يقوم وزير الطاقة جو الصدي بجولة في منشآت النفط بطرابلس للاطلاع على وضع الخزانات والبنية التحتية، وتحديد الأعمال التأهيلية التي تحتاج إليها في حال الانتقال لاحقاً إلى استقبال الفيول العراقي المنقول بالصهاريج وتخزينه تمهيداً لإعادة تصديره، كما تشمل الجولة معاينة الطرق المؤدية إلى المنشآت ومدى قدرتها على استيعاب حركة الصهاريج المتوقعة.
ويأتي هذا التحرك استكمالاً للمحادثات التي أجراها سلام خلال زيارته الرسمية إلى بغداد في 26 جويلية الماضي، على رأس وفد وزاري ضم وزيري المالية والطاقة، حيث أبدى الجانب العراقي استعداداً لتصدير الفيول عبر منشآت النفط في طرابلس، في إطار البحث عن منافذ إضافية على البحر المتوسط، وقد تحدث سلام بعد عودته عن السعي إلى الاستفادة من الخيارات المتاحة لتحقيق الربط والتكامل الاستراتيجي بين البلدين.
ويعطي المشروع، في حال انتقاله إلى التنفيذ، بعداً إضافياً للتعاون النفطي القائم منذ عام 2021 بين بيروت وبغداد، حيث يحصل لبنان على الفيول العراقي بموجب اتفاق للمساعدة في تأمين الوقود لمؤسسة كهرباء لبنان، على أن يُستبدل الفيول العراقي، بسبب عدم ملاءمته مباشرة لمعامل إنتاج الكهرباء، بأنواع أخرى من الوقود عبر آلية معتمدة، أما الطرح الجديد فيقوم على استخدام لبنان ممراً ومحطة لتخزين الفيول العراقي وإعادة تصديره، بدلاً من اقتصار العلاقة النفطية على تزويد لبنان بالوقود.
ويأتي البحث في المسار اللبناني بالتوازي مع تجربة قائمة لنقل الفيول العراقي براً إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، حيث تستخدم الصهاريج لنقل الكميات من العراق عبر الأراضي السورية قبل إعادة شحنها بحراً، ويقدم مسار بانياس نموذجاً لوجستياً قريباً من الطرح الذي يدرسه لبنان، مع فارق أن اعتماد منشآت طرابلس يتطلب مواصلة الصهاريج رحلتها عبر الأراضي السورية إلى الحدود الشمالية اللبنانية، ثم الانتقال عبر شبكة الطرق إلى المنشآت النفطية على الساحل، وهو ما يفسر تركيز التحضيرات اللبنانية على ثلاثة عناصر مترابطة: جهوزية المعابر الحدودية، وقدرة الطرق على استيعاب حركة الصهاريج، ووضع الخزانات والمنشآت النفطية في طرابلس.
ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه حركة النقل البري بين العراق وسوريا تدقيقاً أمنياً متزايداً، بعد أن كشفت السلطات السورية في منتصف يوليو الماضي عن إحباط عملية تهريب أسلحة متطورة، تضمنت صواريخ بعيدة المدى، وصواريخ موجهة مضادة للدروع، وطائرات مسيرة، كانت مخبأة داخل صهريج نفط متجه إلى بانياس، ضمن شحنة كانت في طريقها إلى حزب الله في لبنان، حيث تم ضبط الشحنة عند معبر التنف الحدودي مع العراق. وقد أظهرت التحقيقات أن السائقين العراقيين تلقيا تعليمات من فصائل مسلحة مقابل مبلغ 50 ألف دولار أمريكي، وقاما بالتنسيق مع الأمن السوري لكشف العملية، في واقعة ألقت بظلالها على أي مشروع نقل بري جديد وزادت من أهمية تعزيز إجراءات التفتيش والرقابة على المعابر الحدودية، وهي قضية ستكون حاضرة بقوة في النقاشات اللبنانية حول جاهزية المعابر وتأمين المسار.

