أزمة سبتة…حملة تضليل إعلامي فرنسية تستهدف الجزائر

في خضم الأزمة الإنسانية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة نهاية يوليو الماضي، حين اجتاح آلاف الشباب المغاربة السياج الحدودي باتجاه الجيب الإسباني، برز اسم الجزائر فجأة في قلب الرواية المغربية، ليس كدولة جارة، بل كمُحرّض مفترض على موجة نزوح وُصفت بأنها “قنبلة هجرة” موجّهة ضد إسبانيا . هذا الربط الذي بدا مستغرباً للمتابعين، أثار تساؤلات حول دوافعه وأبعاده، خصوصاً في ظل غياب أي منطق جغرافي أو سياسي يبرره.

يتعلق المحور الأول من هذه السردية برقم تم ترويجه في وسائل إعلام غربية، وتحديداً على قناة “سي نيوز” الفرنسية اليمينية المتطرفة، حيث زعم مُتدخل أن 60% من الشباب الذين اقتحموا سبتة هم من أصول جزائرية، أي ما يعادل حوالي 35 ألف شخص . وتم تداول هذا الرقم على نطاق واسع، قبل أن يُفاجأ المتابعون بوقوف الكاتب المغربي المعروف طاهر بن جلون وراء ترويجه، حين كتب في منشور له: “قيل لي إن 60% منهم جزائريون” .

لكن هذا الادعاء اصطدم بحقيقة جغرافية وسياسية صارمة، وهي أن الحدود البرية بين الجزائر والمغرب مغلقة منذ عقود، مما يجعل عبور 35 ألف شخص من الجزائر إلى المغرب ثم إلى سبتة أمراً مستحيلاً عملياً دون أن ترصده أي جهة أمنية. ولم يقتنع المراقبون بهذا التفسير الواهي، فراحوا يتساءلون: كيف تمكن هؤلاء “الجزائريون” المزعومون من العبور؟ ولماذا لم توقفهم القوات المغربية التي يصفها بن جلون نفسه بأنها “الأقوى في المغرب العربي”؟

في الحقيقة، ما كشفته التصريحات المتتالية لطاهر بن جلون كان أكثر إرباكاً مما حاول نفيّه. ففي مقابلة مع صحيفة “إل باييس” الإسبانية، اعترف بن جلون بأنه شاهد بأم عينيه آلاف الشباب المغاربة يتجهون نحو سبتة في ليلة عيد العرش، وأنه رأى رجال الأمن المغاربة “يتركونهم يتقدمون” دون أي تدخل يذكر . وأقر بأن هذه المشاهد أثارت فيه “الحزن والغضب” على صورة بلاده التي وصفها بأنها “بشعة ومقززة” .

لكن المفارقة الأكبر في موقف بن جلون تكمن في تناقضه الصارخ: ففي الوقت الذي كان يردد فيه اتهام الجزائر، كان يعترف في نفس الوقت بأن الأجهزة الأمنية المغربية، التي يصفها بأنها الأقوى في المنطقة، لم تحرك ساكناً أمام آلاف الشباب الذين كانوا يسيرون في وضح النهار نحو الحدود . ويتساءل المراقبون: إذا كانت هذه القوات قادرة على منع أي حركة غير مرغوب فيها، فلماذا تخلت عن دورها فجأة في هذا اليوم بالذات؟ هذا السؤال قاد كثيراً من المحللين إلى طرح فرضية أن الرباط كانت تستخدم هذه الموجة البشرية كورقة ضغط على مدريد، في أعقاب التقارب الإسباني-الجزائري الذي توج بزيارة رئيس الوزراء الإسباني إلى الجزائر في يوليو 2026 .

ما حدث في أزمة سبتة يكشف عن وجود حملة تضليل إعلامي ممنهجة، استهدفت الجزائر كبش فداء، وحاولت تحويل أنظار العالم عن المشهد الحقيقي: شباب مغاربة يفرون من أوضاعهم المعيشية الصعبة بحثاً عن حياة أفضل في أوروبا ، وأجهزة أمنية تسمح لهم بذلك بتوجيهات من أعلى المستويات. وقد كشفت تقارير إعلامية أن حملة ترويج الرواية المغربية استخدمت شخصيات مؤثرة، من بينها بن جلون، لإضفاء شرعية على ادعاءات لا تستند إلى أي دليل .

ويُضاف إلى ذلك أن البيانات التي تم تداولها حول تردد اسم الجزائر في وسائل الإعلام الفرنسية أكثر من 24 ألف مرة خلال الفترة 2024-2025، تشير إلى وجود أجندة إعلامية ممنهجة تستهدف تشويه صورة الجزائر، في وقت تعرف فيه البلاد تقدماً اقتصادياً ملحوظاً، كما أشار المحللون إلى ارتفاع مؤشرات الاقتصاد الجزائري من عائدات النفط والغاز وملء السدود .

أزمة سبتة، في جوهرها، أزمة إنسانية واجتماعية تعكس عمق الأزمة التي تعيشها فئة كبيرة من الشباب المغربي، الذين فضلوا المخاطرة بحياتهم على البقاء في بلدهم. لكن محاولة تحويل هذه الأزمة إلى اتهامات ضد الجزائر، كما فعل طاهر بن جلون وبعض وسائل الإعلام، لم تخدم إلا في الكشف عن تناقضات أعمق في الرواية الرسمية. فبينما كان الكاتب المغربي يردد اتهامات لا سند لها، كان يعترف بما هو أكثر إدانة: أن الأجهزة الأمنية المغربية لم تمنع النزوح، بل سهلته، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول من يقف وراء هذه الفوضى، وحول الوجه الحقيقي للسياسات المغربية في التعامل مع ملف الهجرة والعلاقات مع الجيران.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً