في خطوة توصف بأنها تاريخية، أقر البرلمان التركي اليوم الاثنين قانوناً يضع إطاراً قانونياً لحل جماعة حزب العمال الكردستاني. ويهدف القانون إلى طي صفحة صراع استمر أربعة عقود وأودى بحياة أكثر من أربعين ألف شخص.
حظي مشروع القانون بتأييد واسع في البرلمان، حيث حصل على 468 صوتاً مؤيداً مقابل 88 معارضاً و6 امتناع عن التصويت. وجاء ذلك بعد نقاشات استمرت نحو اثنتي عشرة ساعة داخل الجمعية الوطنية الكبرى.
ويأتي هذا التشريع كثمرة لأكثر من عامين من المفاوضات غير المباشرة بين الدولة التركية وزعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، عبد الله أوجلان. وقد وجه أوجلان نداءً في فبراير عام 2025 لحل الجماعة وإلقاء السلاح، وهو ما استجابت له الجماعة في مايو من العام نفسه.
يتألف القانون من اثنتي عشرة مادة، ويُعد أول تشريع تركي يعقب مفاوضات مباشرة مع أوجلان. ويضع القانون آليات لإعادة دمج عناصر المنظمة في المجتمع، لكن تفعيله مرتبط بشروط صارمة.
أبرز هذه الشروط هو تحقق الجهات الأمنية من إنهاء المنظمة وجودها الفعلي وتسليم جميع أسلحتها وذخائرها. كما يشترط القانون مصادقة مجلس الأمن القومي التركي على ذلك ونشر قراره في الجريدة الرسمية.
بعد استيفاء هذه الشروط، سيتم تعليق التحقيقات والمحاكمات وتنفيذ الأحكام لفترات تتراوح بين خمس وعشر سنوات. فالتهم التي تصل عقوبتها إلى خمس عشرة سنة تعلق لمدة خمس سنوات، بينما تعلق التهم الأشد لمدة عشر سنوات.
وبعد انتهاء فترة التعليق دون ارتكاب مخالفات جديدة، تصدر قرارات بعدم الملاحقة أو عدم النظر في الدعوى. وهذا ما يمنح العائدين فرصة حقيقية لإعادة الاندماج في المجتمع.
يؤكد المسؤولون الأتراك أن القانون ليس عفواً عاماً، بل إطار قانوني استثنائي ومؤقت. فهو يستثني جرائم القتل العمد المرتكبة ضمن أنشطة المنظمة، والجرائم التي ارتُكبت قبل الأول من يونيو عام 2005 والتي تحمل عقوبات السجن المؤبد.
كما لا يشمل القانون القيادات العليا للمنظمة، وعلى رأسها عبد الله أوجلان نفسه. فزعيم الجماعة سيبقى خلف القضبان رغم هذه الخطوة التشريعية التاريخية.
حظي مشروع القانون بدعم غير مسبوق من مختلف الأطياف السياسية. فقد أيدته كل من حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه القومي، وحزب الشعوب المتساوي والديمقراطية المؤيد للأكراد، إضافة إلى المعارضة الرئيسية.
في المقابل، برز حزب الخير القومي كأكثر المعارضين للقانون. وقد وصف رئيس البرلمان التصويت بأنه إنجاز تاريخي، بينما قال زعيم المعارضة الرئيسية معلناً دعمه: “لن نقف في طريق السلام، حتى لا نستقبل أخباراً عن مقتل أشخاص”.
يمثل هذا التشريع تتويجاً لمسار بدأ في أكتوبر عام 2024. ففي ذلك الوقت، دعا دولت باهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية حليف الحكومة، أوجلان إلى حل الجماعة ونبذ العنف.
كما يعكس القانون تحولاً في الاستراتيجية التركية من الحل العسكري إلى الحل السياسي. ويأتي هذا التحول في ظل تغيرات جيوسياسية دراماتيكية يشهدها الشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن إقرار هذا القانون قد يفتح الباب أمام تعديلات دستورية. فهذه التعديلات قد تسمح للرئيس رجب طيب أردوغان بالترشح لولاية رئاسية ثالثة، حيث يحتاج إلى 360 صوتاً في البرلمان لتمريرها.
يبقى أن نرى كيف ستترجم هذه الخطوة التشريعية إلى واقع ملموس على الأرض. فالمحاولات السابقة في عامي 2008 و2013 لم تنجح في إنهاء هذا الصراع.
وتنتظر التنفيذ الفعلي للقانون تحديات أمنية وسياسية واجتماعية كبيرة. فهل تكون هذه المرة مختلفة وتنجح تركيا في إنهاء أطول صراع مسلح في تاريخها الحديث؟



