نطرق تقرير وكالة الأنباء الجزائرية لمشروع الفوسفات المدمج، الذي يُعد أحد أكبر المشاريع الهيكلية في تاريخ الجزائر، حيث شرعت الجزائر رسمياً في مرحلة الإنجاز الفعلي بعد توقيع مجمع سوناطراك والشركة الجزائرية للأسمدة لعقدين استراتيجيين مع شريكين دوليين هما الشركة الإيطالية “سايبام” (Saipem) والشركة الصينية لهندسة الموانئ “CHEC” .
ويشكل مشروع الفوسفات المدمج، مشروعاً استراتيجياً واعداً وركيزة بقيمة مضافة أكيدة تشي برؤية استشرافية عميقة لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في إطار جهود الدولة الرامية إلى تكريس اقتصاد متنوع غير معتمد على مورد واحد، وتفعيل التنويع الاقتصادي وتوجيه الموارد واستغلالها وفق أسس ومبادئ تعزيز السيادة الاقتصادية الوطنية.
ومثّل توقيع مجمع سوناطراك، الأربعاء، على عقدين للهندسة والتموين والإنجاز، مرحلة جديدة في تجسيد مشروع الفوسفات المدمج، حيث تم التوقيع بين سوناطراك والشركة الجزائرية للأسمدة من جهة، وشركتي “سايبام” الإيطالية وشركة هندسة الموانئ الصينية “CHEC” من جهة أخرى، وذلك بالنسبة للمرحلة الأولى من المشروع التي تشمل مركباً لاستخراج وتخصيب الفوسفات في بلاد الحدبة (تبسة) بطاقة 5.5 ملايين طن سنوياً، ومركباً صناعياً مدمجاً بوادي الكبريت (سوق أهراس) لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية، بالإضافة إلى منشآت مينائية في عنابة.
ويتعلق الأمر بتحول يهدف إلى جعل إمكانيات البلاد، سيما منها المنجمية، أساساً لمقاربة جديدة للتنمية الاقتصادية الوطنية تعود بالفائدة على الأجيال القادمة، في إطار جهود ترقية الصادرات خارج قطاع المحروقات وتعزيز التصنيع المحلي وخلق قيمة مضافة.
وقد تم توقيع العقدين وفق نمط الإنجاز السريع (EPC Fast Track)، على أن يتم تسليم أولى كميات الفوسفات المخصب ابتداء من الثلاثي الأول من سنة 2027، ويُرتقب الشروع في إنتاج الأسمدة خلال الثلاثي الأخير من السنة نفسها.
ويحظى المشروع، منذ إطلاقه، بمتابعة مستمرة من رئيس الجمهورية، الذي أمر بالشروع في تصدير فوسفات بلاد الحدبة في أجل أقصاه مارس 2027، وكلف وزير المناجم والصناعات المنجمية باستكمال الرصيف المنجمي بميناء عنابة، كما أمر بالشروع الفوري في إنجاز وحدات المعالجة بالتوازي مع استغلال المنجم، وأكد أن مصنع حمض الفوسفوريك سيدخل حيز الخدمة في نهاية سنة 2026 أو مطلع 2027، مشدداً على أثر المشروع في خلق فرص العمل.
وسينتج المشروع حوالي 6 ملايين طن سنوياً من الفوسفات المخصب و4 ملايين طن من الأسمدة (DAP وMAP وNPK واليوريا)، بالإضافة إلى المواد الصناعية الاستراتيجية مثل حمض الكبريتيك وحمض الفوسفوريك والأمونياك، كما يُنتظر أن يوفر حوالي 12 ألف منصب شغل مباشر، لا سيما بولايات تبسة وسوق أهراس وسكيكدة وعنابة.
ويرتكز المشروع على منشآت كبرى من بينها خط السكة الحديدية المنجمية شرقاً بطول 422 كيلومتراً، الذي سيربط بين بلاد الحدبة وميناء عنابة، بالإضافة إلى توسيع هذا الميناء بما في ذلك إنجاز رصيف منجمي مخصص للتصدير، وهو ما سيسمح باستقبال السفن ذات السعة الكبيرة، مما سيحول ولاية عنابة إلى قاعدة لوجستية عالمية قادرة على جذب أكبر شركات الشحن البحري الدولية، ويزيد تنافسية المنتجات المنجمية الوطنية في الأسواق الخارجية.
وبالنسبة للخبراء الاقتصاديين، فإن الأمر يتعلق بواحدة من أهم المنشآت الصناعية التي تم إنجازها في الجزائر، حيث تبرز الأهمية في عدم الاقتصار على الاستخراج المنجمي فحسب، بل بإنشاء سلسلة قيم متكاملة تصل إلى غاية المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، ويرى هؤلاء أن دخول مشروع الفوسفات حيز الإنتاج سنة 2027 سيساهم في تنشيط صادرات الجزائر من الأسمدة، بالنظر إلى الطلب العالمي المرتبط بالأمن الغذائي والتوسع الزراعي في إفريقيا وآسيا، مع تقليل الاعتماد على صادرات المواد الأولية.
ويندرج مشروع الفوسفات المدمج في إطار حيوية أوسع لورشات هيكلية كبيرة، بما في ذلك خط السكك الحديدية في الجنوب الذي يربط الجزائر بتمنراست ويمر بالأغواط وغرداية والمنيعة وعين صالح، والذي يُتوقع الانتهاء منه في نهاية سنة 2028، وقد وصفه رئيس الجمهورية بـ “رهان القرن الجديد”، على غرار مشروع منجم غارا جبيلات الذي دخل حيز الاستغلال في فيفري الأخير.

