كشفت بيانات وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) الصادرة مؤخراً عن مشهد زراعي جزائري يحمل مؤشرات إيجابية في بعض المحاصيل، مع استمرار تحديات هيكلية في قطاعات أخرى. يستعرض هذا المقال بالتفصيل أبرز ما ورد في التقرير عن الموسم الفلاحي 2025/2026.
سجل التقرير منحى تصاعدياً في إنتاج الحبوب، حيث قدّر الإنتاج الإجمالي للقمح والشعير بحوالي 4.65 مليون طن، مقترباً بذلك من الهدف الحكومي المحدد بـ 5 ملايين طن، وإن كانت لا تزال دونه.
وفي تفاصيل إنتاج القمح، بلغ الإنتاج المتوقع 3.2 مليون طن، بزيادة 7% عن الموسم الماضي، مع تحسّن ملحوظ في متوسط المردودية الذي وصل إلى 1.78 طن للهكتار، بارتفاع 0.11 طن عن الموسم الفارط و0.28 طن عن موسم 2023/2024. وتقدّر المساحات المزروعة بالقمح بـ 1.8 مليون هكتار.
أما فيما يخص الشعير، فقد بلغ الإنتاج 1.35 مليون طن، بزيادة 13% عن الموسم السابق، بمتوسط مردودية 1.32 طن للهكتار، بارتفاع 0.15 طن عن الموسم الماضي، على مساحة تقدر بـ مليون هكتار.
أشار التقرير إلى أن وزارة الفلاحة الجزائرية تتوقع حصاد محصول من将近 150 ألف هكتار في المناطق الصحراوية، بزيادة 40 ألف هكتار عن الموسم الماضي. ووفقاً للتقديرات، سيساهم هذا الإنتاج الصحراوي بنحو 10% من الإنتاج الوطني للقمح المقدر بـ 3 ملايين طن. وتتركز معظم زراعات القمح في المناطق الساحلية المتوسطية والهضاب العليا، حيث تعتمد بشكل رئيسي على مياه الأمطار.
تمثلت المفاجأة الأبرز في التقرير بالقفزة النوعية التي حققتها مشتقات الصويا، حيث بلغ إنتاج كسبة الصويا 1.74 مليون طن، بينما وصل إنتاج زيت الصويا إلى 401 ألف طن، مسجلاً بذلك ارتفاعاً بنسبة 35% في كلا المنتجين مقارنة بالموسم السابق. وتتجاوز هذه الأرقام بأكثر من الضعف متوسط العشر سنوات الماضية.
وتُعزى هذه القفزة إلى تطور قدرات الجزائر في عصر البذور الزيتية، حيث تعكس الزيادة المتزامنة في إنتاج الكسبة والزيت توسع المنشآت المحلية للتحويل الصناعي. وتُستخدم الكسبة بشكل رئيسي في تغذية الدواجن والمواشي، بينما يُستهلك الزيت محلياً.
رغم المكاسب المسجلة، كشف التقرير عن استمرار تحديات جوهرية، أبرزها عجز إنتاج الذرة المروية، حيث يقتصر الإنتاج على 12 ألف طن فقط، وهو مستوى مستقر دون تغير، على مساحة لا تتجاوز 2000 هكتار، مقارنة بـ 1.8 مليون هكتار للقمح ومليون هكتار للشعير. وهذه المساحة الضئيلة لا تمثل سوى 0.001% من الإنتاج العالمي للذرة.
هذا العجز يستنزف فاتورة استيراد ضخمة تقدر بـ 900 مليون دولار سنوياً لتوفير الذرة اللازمة لتغذية الدواجن، مما يجعل الجزائر من بين أكبر 20 مستورداً عالمياً لهذه المادة.
قدّر التقرير إنتاج زيت الزيتون بحوالي 76 ألف طن لموسم 2025/2026، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 11% عن الموسم السابق الذي بلغ 85 ألف طن. ورغم هذا التراجع، تمثل الجزائر نحو 2.32% من الإنتاج العالمي لزيت الزيتون.
توقعت الوزارة الأمريكية أن تبلغ واردات الجزائر من القمح لموسم 2025/2026 حوالي 9.2 مليون طن، مع الأخذ في الاعتبار العجز في الإنتاج المحلي. وتجدر الإشارة إلى أن واردات الموسم الحالي (2024/2025) قد تراجعت إلى 8 ملايين طن نتيجة تباطؤ وتيرة الشحنات من روسيا وفرنسا.
في سياق متصل، نظمت سفارة الولايات المتحدة في الجزائر ندوة تقنية حول تحسين معالجة البذور الزيتية وإنتاج الأعلاف، بمشاركة وزارة الزراعة الأمريكية والمجلس الأمريكي لتصدير فول الصويا وجامعة ميزوري. وقد تضاعفت صادرات فول الصويا الأمريكية إلى الجزائر بأكثر من الضعف خلال الفترة 2025-2026، مدفوعة بالطلب المتزايد على الأعلاف.
يُظهر تقرير وزارة الزراعة الأمريكية قطاعاً زراعياً جزائرياً يشهد تحسناً في إنتاج الحبوب وقفزة نوعية في صناعة عصر البذور الزيتية، مع استمرار التحديات المرتبطة بالاعتماد على الظروف المناخية وعجز إنتاج الذرة الذي يثقل كاهل ميزانية الاستيراد. وتُعدّ هذه المعطيات مرآة تعكس واقع السياسة الزراعية في الجزائر، التي تسعى لتحقيق أمن غذائي أكبر رغم المعوقات الهيكلية.

