بنك بريكس والبنك الدولي… خيار موازٍ أم بديل حقيقي؟

منذ أن أعلنت مجموعة بريكس عن تأسيس بنك التنمية الجديد (NDB) في عام 2015، تكرر السؤال ذاته في الأوساط الاقتصادية: هل هذا البنك بديل حقيقي للبنك الدولي؟ بعد أكثر من عقد من التشغيل، تبدو الإجابة أكثر تعقيداً مما يوحي به الخطاب السياسي. فبنك التنمية الجديد نجح في بناء هوية مؤسسية مختلفة، لكنه لا يزال بعيداً جداً عن امتلاك القدرة النظامية التي تجعله بديلاً فعلياً لمؤسسات بريتون وودز.

و يضم بنك التنمية الجديد (NDB) التابع لمجموعة بريكس حالياً 10 دول أعضاء، مع وجود دولة واحدة على الأقل في مرحلة متقدمة من الانضمام. الأعضاء المؤسسون هم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، ثم انضمت لاحقاً بنغلاديش والإمارات ومصر و الجزائر وأوزبكستان. أما أوروغواي فقد تمت الموافقة على انضمامها كعضو محتمل لكنها لم تكمل الإجراءات بعد، كما تجري إثيوبيا خطوات تشريعية للانضمام.

و يحتفظ الأعضاء المؤسسون الخمسة بضمانات تصويتية صارمة؛ فلا يجوز أن ينخفض مجموع أصواتهم عن 55% من إجمالي حقوق التصويت، كما لا يجوز أن يتجاوز تصويت أي عضو غير مؤسس 7%. هذا التصميم يضمن بقاء السيطرة الفعلية بيد الدول الخمس الأصلية مهما توسعت العضوية.

المقارنة الأولى والأكثر وضوحاً بين المؤسستين هي الحجم. يبلغ رأس المال المصرح به لبنك التنمية الجديد 100 مليار دولار، لكن رأس المال المدفوع فعلياً لا يتجاوز 10.5 مليار دولار. وبحلول نهاية جوان 2026، كان البنك قد أقرّ 141 مشروعاً بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 44 مليار دولار، مع صرف فعلي يبلغ 25 مليار دولار فقط .

في المقابل، تجاوزت الميزانية العمومية للبنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD)، الذراع الإقراضي الرئيسي للبنك الدولي، 400 مليار دولار بحلول مارس 2026، بعد أن كانت 268 مليار دولار في عام 2018 .

وخلال جائحة كوفيد-19 وحدها، ارتفع صافي التزامات البنك الدولي من 6.5 مليار دولار في ديسمبر 2019 إلى 10.4 مليار دولار في ديسمبر 2020، بينما ارتفعت الصروفات الإجمالية من 8.5 مليار دولار إلى 13.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها . هذا الحجم من الاستجابة السريعة يعكس قدرة مالية ومؤسسية لا يمتلكها بنك التنمية الجديد حالياً.

يتميز بنك بريكس (NDB) بنموذج حوكمة مختلف جوهرياً عن البنك الدولي. ففي البنك الدولي، تمتلك الولايات المتحدة حق نقض فعلي على القرارات الكبرى نظراً لنسبة تصويتها التي تتجاوز 15%. أما في بنك التنمية الجديد، فيتوزع التصويت بشكل متساوٍ بين الأعضاء المؤسسين الخمسة، دون أن يمتلك أي عضو بمفرده حق النقض .

هذا التصميم المؤسسي يعكس فلسفة مختلفة: احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وتؤكد رئيسة البنك السابقة ديلما روسيف أن بنك التنمية الجديد “لن يفرض أي شروط اقتصادية كلية” على الدول المقترضة، على عكس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي . وقد أكد خبراء قانونيون أن البنك “لا يفرض على الدول التي تريد الحصول على قروض أي أيديولوجية أو شروط قد تؤثر على حياة المواطنين اليومية” .

ربما تكون المفارقة الأكثر إثارة في تجربة بنك التنمية الجديد هي أن المؤسسة التي أُنشئت لتقليل الاعتماد على الدولار لا تزال تعتمد عليه بشكل كبير. وفقاً لتقرير قدمته رئيسة البنك للمستثمرين في أفريل 2025، فإن 65.5% من القروض الممنوحة مقومة بالدولار الأمريكي، و8.8% باليورو، و1.6% بالفرنك السويسري. وهذا يعني أن حوالي 75.9% من القروض مقومة بعملات القوى الغربية .

اللافت أن حصة العملات المحلية تتركز جغرافياً بشكل كبير: 17.9% باليوان الصيني (وهي قروض ممنوحة في الصين أساساً)، 0.3% بالروبية الهندية (في الهند)، و6% بالراند الجنوب أفريقي (في جنوب أفريقيا). أما القروض في روسيا والبرازيل والهند فجميعها تقريباً بالدولار .

هذا الواقع ينعكس أيضاً على جانب التمويل: في مارس 2025، اقترض البنك 1.25 مليار دولار من الأسواق المالية بمعدل فائدة 4.375%، وفي فبيفري 2026 اقترض 2 مليار دولار أخرى بمعدل 4% . أي أن “النظام المالي الموازي” لا يزال يعتمد على الأسواق المالية الغربية لإعادة التمويل.

على الرغم من هذه القيود، لا يمكن التقليل من أهمية ما حققه بنك مجموعة بريكس. فهو يوفر خياراً تمويلياً إضافياً للدول النامية، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة النظيفة. من مشروع مستشفى ذكي في البرازيل بقيمة 320 مليون دولار، إلى مليار دولار لتحديث البنية التحتية الحضرية في ثماني مدن كبرى في جنوب أفريقيا، يغطي محفظة البنك طيفاً واسعاً من المشاريع التنموية .

كما أن البنك يوسع عضويته بشكل مطرد: من الخمسة المؤسسين إلى عشرة أعضاء بعد انضمام أوزبكستان في جوان 2026، مع وجود دول أخرى في مراحل الانضمام مثل أوروغواي وكولومبيا وإثيوبيا . هذا التوسع يعكس جاذبية النموذج بالنسبة لدول الجنوب العالمي التي تبحث عن تمويل دون شروط سياسية.

الأدلة المتاحة تشير إلى أن بنك التنمية الجديد لم يبنِ نظاماً مالياً مستقلاً عن الغرب، ولم يتحدَ هيمنة مؤسسات بريتون وودز. بل إن دول بريكس نفسها، في تصريحاتها الرسمية، تؤكد على الدور المركزي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الهيكل المالي العالمي .

التوصيف الأدق لبنك التنمية الجديد هو “خيار موازٍ” أو “منصة تكميلية”. فهو يقدم للدول النامية بديلاً عن الشروط السياسية التي يفرضها البنك الدولي، ويمنحها هامشاً أكبر في تحديد أولوياتها التنموية. لكنه لا يمتلك القدرة المالية ولا العمق المؤسسي ولا البنية التحتية للنظام المالي التي تجعله بديلاً فعلياً.

التحول من “خيار موازٍ” إلى “بديل حقيقي” يتطلب أكثر من مجرد خطاب سياسي: يتطلب موارد مالية أكبر بكثير، وإرادة سياسية مشتركة لكسر منطق التبعية المالية، وبناء آليات تمويل مستقلة فعلاً عن الأسواق الغربية. وحتى الآن، هذا الكسر ليس مطروحاً على جدول الأعمال .

المصدر: الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً