فخ القواعد الثابتة.. كيف حولت إيران “المظلة الأمريكية” إلى عبء أمني ؟

تطرق تقرير نشرته صحيفة “تلغراف” البريطانية إلى التحول الخطير الذي تشهده منظومة الأمن الأمريكية في الخليج، محذراً من أن القواعد والموانئ وخطوط الأنابيب ومحطات تحلية المياه التي جرى إنشاؤها بهدف إظهار القوة الأمريكية وضمان الاستقرار الإقليمي، أصبحت هي ذاتها نقاط الضغط التي تستطيع إيران من خلالها توسيع كلفة الحرب.

و حسب التقرير أُنشئت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لطمأنة حكومات المنطقة وردع أي هجمات خارجية. لكن في حالة المواجهة المباشرة مع إيران، أدت هذه القواعد إلى جعل الدول المضيفة لها جزءاً مباشراً من ميدان المعركة؛ فالطائرات وأنظمة القيادة الأمريكية تعمل من مواقع قريبة جداً من الأراضي الإيرانية، مما يُمكّن إيران من استهداف هذه المنشآت الثابتة بالصواريخ والطائرات المسيرة.

وعندما جرى نقل بعض الأصول العسكرية الأمريكية من المواقع الأكثر عرضة للتهديد في الكويت والبحرين نحو الأردن، بادرت إيران إلى توسيع نطاق أهدافها؛ حيث استهدفت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة القوات الأمريكية والشريكة.

إن الرسالة الإيرانية لحكومات الخليج واضحة وصريحة: إذا أُتيح للقوات الأمريكية استخدام أراضيها لشن هجمات ضد إيران، فإن طهران ستعتبر البنية التحتية العسكرية الداعمة لتلك القوات جزءاً من الساحة القتالية. وهو ما يضع دول المنطقة في موقف معقد للغاية؛ إذ تتكبد الدول المضيفة مخاطر الانتقام جراء عمليات تقررها واشنطن، بينما تجد الدفاعات الجوية نفسها مطالبة بحماية القواعد والموانئ والمدن ومحطات الكهرباء والماء في وقت واحد.

كان التطور الأبرز هو تحول نطاق الاستهداف من الأهداف العسكرية البحتة نحو المنشآت التي تعتمد عليها الحياة المدنية والاقتصادية. ولم تعد خطوط الأنابيب تجعل صادرات الطاقة في الخليج معصومة؛ بل إنها مجرد تغيير لمواقع النقاط التي تستطيع إيران من خلالها تعطيل الإمدادات. فتقييد الحركة في مضيق هرمز يربك المسار الخليجي الرئيسي، واستهداف خيارات النقل البديلة كالفجيرة أو ينبع أو باب المندب يضع الممرات البحرية بأكملها تحت الضغط. والنتيجة هي شبكة متداخلة من نقاط الضغط التي تؤثر على استقرار الطاقة والاقتصاد الإقليمي والدولي.

يعتمد القدر الهائل من الترسانة الإيرانية من الصواريخ والطائرات المسيرة على تصنيع وتطوير محلي، وهو ما أتاح استمرار الإنتاج رغم العقوبات والحملات العسكرية. ورغم تمكن أجهزة الاستخبارات الغربية من تدمير بعض المنشآت، إلا أنها لم تصل إلى كامل الشبكة غير الممركزة، مما سمح بمواصلة تعويض المخزون. ويرى المحلل الاستراتيجي جون ميرشايمر أن المعادلة الحسابية في هذا الصراع تصب في صالح إيران في حال نشوب حرب استنزاف طويلة الأمد؛ إذ تستطيع إيران استخدام صواريخ وطائرات مسيرة منخفضة التكلفة لاستنزاف المنظومات الدفاعية للولايات المتحدة وحلفائها، وإجبارهم على استهلاك صواريخ اعتراضية شحيحة وباهظة الثمن.

ينتهي تقرير “تلغراف” إلى استنتاج مفاده أن منظومة الأمن الأمريكية في الخليج، التي أُنشئت يوماً لاحتواء إيران، قد انقلبت على نفسها. فالمظلة الأمنية تحولت إلى شبكة من الأهداف، والبنية التحتية التي بُنيت لإظهار القوة الأمريكية أصبحت الوسيلة التي تفرض بها إيران ثمنها. والأخطر من ذلك، أن حرباً أُطلقت باسم منع إيران من امتلاك سلاح نووي قد تخلق في نهاية المطاف الظروف السياسية والاستراتيجية والدينية التي تقرر فيها طهران أنها بحاجة إلى بناء واحد.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً