توسعت رقعة الاحتجاجات الطلابية في فرنسا بشكل كبير خلال الأيام الأخيرة، لتتحول من حركة احتجاجية محدودة في ضواحي باريس إلى موجة واسعة تجتاح معظم المدن الفرنسية، مصحوبة بأعمال عنف ومواجهات مع قوات الأمن.
و بدأت الاحتجاجات أواخر سبتمبر 2026 في بعض المدارس الثانوية بضواحي باريس، ثم امتدت بسرعة إلى مدن كبرى مثل ليل وستراسبورغ ومرسيليا ونانت ورين . وبحلول الأول من أكتوبر، تجاوزت الحركة حدود المدارس الثانوية لتشمل الجامعات أيضًا، حيث أعلن اتحاد الطلاب الفرنسي أن حوالي 30 حرمًا جامعيًا شهدت احتجاجات، بما في ذلك جامعات في باريس وستراسبورغ ومرسيليا وليون ورينس وبواتييه ونانتير . وفقًا لبيانات وزارة الداخلية الفرنسية، فإن ما مجموعه 1027 مؤسسة تعليمية من أصل حوالي 3700 مدرسة ثانوية في فرنسا تأثرت بالحركة، من بينها 222 حالة إغلاق كامل .
و شهد يوم الخميس الأول من أكتوبر تصعيدًا حادًا في الأحداث. وفي نانت، اندلع حريق وصفته إدارة المدرسة بأنه “متعمد” في مدخل ثانوية نيلسون مانديلا . وفي مرسيليا، أقدمت مجموعة من المحتجين على سكب البنزين على مدير ثانوية فيكتور هوغو وموظفين آخرين . كما قام مئات الشبان بمحاصرة سيارة إطفاء كانت قد هرعت لإخماء حريق في ثانوية سان إكزوبيري بنفس المدينة، وأجبروا رجال الإطفاء على الفرار قبل أن يضرموا النار في المركبة . وفي باريس ومدن أخرى، أضرم المحتجون النار في حاويات القمامة وألقوا المقذوفات على قوات الأمن .
وفقًا لبيانات وزارة الداخلية الفرنسية، فقد تم توقيف ما يقرب من 2000 شخص خلال يوم واحد فقط (الخميس الأول من أكتوبر)، ليرتفع العدد الإجمالي منذ بدء الاحتجاجات إلى حوالي 3000 موقوف، غالبيتهم من المراهقين . كما أصيب أكثر من 300 من أفراد الشرطة والدرك، إلى جانب 235 إصابة في صفوف العاملين في قطاع التعليم بينهم 65 من الطاقم التعليمي و160 طالبًا .
يرفع المحتجون مجموعة من المطالب المتعلقة بقطاع التعليم، أبرزها: نقص المعلمين وعدم تعويض الغيابات، الاكتظاظ في الفصول الدراسية، تدهور البنية التحتية للمدارس، والضغط المتزايد المرتبط بمنصة “باركورسوب” للتوجيه الجامعي . وذكر طلاب من منطقة سين-سان-دوني (93) أن مدارسهم تعاني من تفاوت واضح مقارنة بغيرها، إذ تتواجد فيها حشرات القوارض، وتتراوح درجات الحرارة داخل الفصول بين -5 درجات في الشتاء و40 درجة في الصيف .
عقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اجتماعًا طارئًا مشتركًا بين الوزارات، وطلب من الوزراء تقليص مهامهم الخارجية للتركيز على إدارة الأزمة . ووصفت حكومته ما يجري بأنه “عنف حضري” وحمّلت حزب “فرنسا الأبية” اليساري مسؤولية تنظيمه .
في المقابل، اتهم جان-لوك ميلانشون، زعيم الحزب، الحكومة بممارسة القمع ضد الشباب . كما أعلن وزير التعليم إدوارد جيفراي عن إنشاء “منصة تشاور” للاستماع لمطالب الطلاب، مع إلغاء رسوم التسجيل في بعض المسارات التعليمية التي كانت مقررة في مشروع موازنة 2027 .
و أصدر جميع المحافظين قرارات بمنع التجمعات قرب المدارس الثانوية التي أُغلقت يوم الجمعة . وفي باريس، منع محافظ الشرطة باتريس فور التجمعات أمام 13 مدرسة ثانوية في العاصمة . كما طلب وزير العدل جيرالد دارمانان من النيابات العامة اعتماد “صرامة كبيرة” في الرد القضائي على المتورطين في أعمال العنف .
تأتي هذه الاحتجاجات قبل سبعة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في مايو 2027، مما يجعلها شديدة الحساسية سياسيًا . كما تتزامن مع إعلان الحكومة عن مشروع موازنة 2027 الذي يتضمن تخفيضات بقيمة 54 مليار يورو، في ظل ضغوط للسيطرة على العجز والدين العام . ويعتبر المراقبون أن استمرار الحركة قد يزيد من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي في فرنسا خلال الأشهر المقبلة.



